عبد الإله بنكيران.. الزعيم الذي يخاصم نفسه !

منذ أن صعد عبد الإله بنكيران إلى واجهة المشهد السياسي المغربي، ظل اسمه مقرونا بالتناقضات أكثر مما ارتبط بالثبات المبدئي أو وضوح الرؤية. الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، الذي يفاخر اليوم بأن حزبه هو من “أيقظ روح الاحتجاج” لدى شباب “جيل زد”، هو نفسه الذي قال في ذروة حراك 2011 إن حزبه هو من “أنقذ الملكية” من رياح الربيع العربي. بين الخطابين، تتجلى مسافة شاسعة بين الواقعي والانتهازي، بين السياسي المؤمن بالإصلاح في ظل الاستقرار، والسياسي الذي يغيّر مواقفه بحسب موقعه من السلطة.
في انتخابات 2011، وعد بنكيران المغاربة بـ”الجنة” إن هم صوتوا لحزبه، لكنه لم يتأخر في جرهم إلى “جحيم الأسعار” حين رفعت حكومته أثمان المواد الأساسية، مبررا ذلك بالضرورة الاقتصادية، قائلا: “أش غادي يوقع في ملك الله إيلا زدنا 10 دريال أو درهم في لترو ديال الزيت”. وعندما كانت كلفة القرارات تمس جيوب المواطنين، لم يظهر بنكيران كمدافع عن الفقراء الذين أوصلوه إلى الحكم، بل كمحاضر يبرر ما لا يُبرر، متذرعا بإكراهات الدولة و”التوازنات الكبرى”.
الأكثر مفارقة أن بنكيران، الذي دعم “أخاه” سعد الدين العثماني حين وقّع اتفاقية أبراهام مع إسرائيل سنة 2020، لم يتردد بعد سقوط حزبه المدوي في انتخابات 2021 في الانقلاب على موقفه القديم، داعيا إلى قطع العلاقات مع تل أبيب، وكأن المبدأ عنده يُستعار فقط لمواسم المعارضة.
وفي الوقت الذي يصم فيه آذانه عن نقد داخلي يطال تقاعده المريح الذي يبلغ 9 ملايين سنتيما شهريا، يصف ترشح الشباب المستقلين في الانتخابات بأنه “ريع سياسي”. هكذا يقف بنكيران على منبر الأخلاق ليوزع الدروس، فيما يستظل هو بريع الدولة التي يتهم الآخرين باستغلالها.
أما في قضايا المرأة، فقد ظل وفيا لخطابه المحافظ، لكنه هذه المرة تجاوز الخطاب إلى وصاية شبه أخلاقية على النساء. رفض رفع عدد المقاعد النسائية في البرلمان بدعوى أن “الأنوثة ليست كفاءة”، ثم عاد مؤخرا ليحث الفتيات على الزواج المبكر، محذرا من مصير “أنثى اللقلاق” لمن اخترن التعليم أو الوظيفة قبل الزواج، في خطاب يعيد عقارب الزمن إلى ظلمات الجاهلية.
اليوم، يبدو بنكيران وهو يحلم بالعودة إلى الحكومة كما لو أنه يستعيد تفاصيل “مجده” في “المشور السعيد”، حيث المكتب المكيف وأطباق اللوز والجوز والفستق، والعصائر الباردة التي لم تغب عن جلساته الوزارية، والتي كانت تصله تبعا لتعاقد بين وزارة المالية على عهد نزار بركة وممون مشهور في العاصمة. تلك الصورة الصغيرة التي تسربت من الكواليس، تختزل الرجل كما هو: سياسي يشتاق إلى السلطة بقدر ما يخشاها، ويتحدث باسم الشعب بقدر ما يبتعد عنه.
في النهاية، لا يختلف عبد الإله بنكيران عن كثير من الزعماء الذين أسرتهم اللغة الخطابية، فصاروا أسرى لما قالوه بالأمس، وما أنكروه اليوم. إنه مثال حي عن السياسي الذي يعيش تناقضاته بجرأة، ويحولها إلى مادة للفرجة السياسية، دون أن يجد حرجت في تغيير جلده كلما تغيّر الجو في الرباط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *