كشفت مناقشات مجلس الأمة الجزائري الأخيرة حول قانون تجريم الاستعمار الفرنسي عن مفارقة لافتة في سلوك النظام الحاكم: خطاب سيادي مرتفع السقف في العلن، يقابله تراجع عملي حين تقترب لحظة القرار. فبدل أن يشكل القانون تتويجا لمسار طويل من المطالبة بالاعتراف والعدالة التاريخية، تحوّل داخل الغرفة العليا للبرلمان إلى عبء سياسي يجري التحايل عليه عبر التعطيل الظرفي، وتليين الصياغات، وإفراغ البنود الأكثر حساسية من مضمونها.
من حيث الشكل، يقدَّم التحفظ على بعض مواد القانون بوصفه “تحسينا قانونيا” و”تحصينا للنص”، لكن من حيث الجوهر، تعكس هذه التحفظات خوفا واضحا من تداعيات دبلوماسية محتملة مع فرنسا. فالتراجع عن مطلبَي الاعتذار والتعويض، أو إعادة تعريفهما بطريقة ملتبسة، لا يمكن فصله عن إدراك السلطة الجزائرية لحدود قدرتها على تحويل خطاب الذاكرة إلى أداة صدام فعلي مع باريس.
التناقض الأساسي هنا أن النظام الذي بنى جزءا كبيرا من شرعيته السياسية منذ الاستقلال على معاداة الاستعمار الفرنسي، يعود اليوم ليُدير هذا الملف بمنطق براغماتي صرف. فالقانون الذي صادقت عليه الغرفة السفلى نهاية دجنبر، باعتباره “شهادة دولة” و”خيارا سياديا”، سرعان ما أصبح داخل مجلس الأمة نصا قابلا للتجميد والمراجعة، ليس استجابة لنقاش مجتمعي أو قانوني مستقل، بل انسجاما مع حسابات السلطة التنفيذية وخياراتها الخارجية.
الأكثر دلالة أن جميع الكتل الممثلة في مجلس الأمة، وهي في معظمها موالية للنظام أو منبثقة عنه، التقت على خطاب واحد: الاعتراف دون اعتذار، والذاكرة دون تعويض، والسيادة دون خصومة. هذا الإجماع لا يعكس نقاشا ديمقراطيا حقيقيا بقدر ما يكشف عن حدود المسموح والممنوع في معالجة ملف الاستعمار. فالذاكرة هنا تُستدعى حين تخدم التعبئة الداخلية، وتُقيَّد حين تهدد توازنات السياسة الخارجية.
في هذا السياق، يتحول قانون تجريم الاستعمار إلى أداة رمزية أكثر منه مشروعا قانونيا ذا آثار عملية. يُستخدم داخليا لتجديد سردية النظام حول “العدو التاريخي” وصيانة الشرعية الثورية، لكنه يُفرغ من مضمونه كلما اقترب من الترجمة الدبلوماسية أو القانونية الدولية. وهو ما يطرح سؤالا جوهريا: هل الهدف هو إنصاف الذاكرة، أم ضبطها ضمن هوامش لا تُغضب باريس؟
إن ما يجري داخل مجلس الأمة لا يمكن فصله عن طبيعة النظام السياسي نفسه، حيث تُدار القضايا السيادية الكبرى من أعلى، ويُستعمل البرلمان كغرفة تسجيل أو امتصاص، لا كفضاء قرار مستقل. لذلك، فإن تعطيل القانون أو تخفيفه لا يعكس مراجعة مبدئية، بل يكشف حدود الجرأة السياسية للنظام حين يتعلق الأمر بفرنسا، الشريك الحساس الذي لا تزال علاقته بالجزائر محكومة بتاريخ ثقيل ومصالح متشابكة.
في النهاية، يبدو أن قانون تجريم الاستعمار، بصيغته الحالية، مرشّح لأن يكون قانونا بلا أنياب: قويّا في الخطاب، ضعيفا في الأثر، حاضرا في الداخل، ومؤجَّلا في الخارج. وهو ما يعكس مرة أخرى التناقض البنيوي في خطاب النظام الجزائري، بين استدعاء الماضي كأداة شرعية، والعجز عن تحويله إلى موقف سياسي مكتمل السيادة.
