مسرح العبث يعود من بوابة تطوان: “أتون فاتر” ضد عالم بلا معنى

لا يقدّم العرض المسرحي “أتون فاتر، Feu tiède”، الذي تحتضنه قاعة جان-لوك غودار بالمعهد الفرنسي بتطوان يوم السبت 31 يناير 2026 على الساعة السابعة مساء، استعادة حرفية لأعمال الفيلسوف العبثي والكاتب المسرحي الفرنسي ألبير كامو، بل يقترح اشتغالا دراميا واعيا بروح النص أكثر من نصه، مستلهما “سوء الفهم” وأجزاء مقتطعة من “الغريب”، ضمن رؤية جمالية تنتمي بوضوح إلى أفق مسرح العبث وما بعده.
المسرحية من إخراج هشام ابن عبد الوهاب، وتشخيص كل من فاطمة الزهراء الصغيار، مريم جبور، ومصطفى الستيتو، يرافقهم فريق فني وتقني يجمع بين الموسيقى، السينوغرافيا، الترجمة والإضاءة.
يشتغل العرض على مفهوم الزمن المتعطل، حيث لا تتقدم الأحداث بقدر ما تدور في حلقات تكرارية، ويصبح الانتظار، والصمت، وإعادة الإيماءة، بديلا عن الحبكة الكلاسيكية. هنا، لا يعود الفعل المسرحي أداة للحل، بل مرآة لعجز الإنسان عن كسر قدره، وهو جوهر الرؤية الكاموية للعالم العبثي.
الفضاء الركحي البسيط، الخالي من الزوائد، لا يؤدي وظيفة جمالية فقط، بل يتحول إلى عنصر دلالي يكرّس الإحساس بالفراغ والاختناق الوجودي. الجسد، في هذا السياق، هو اللغة الأساسية: حركة متكررة، توتر صامت، وانفعالات مكبوتة، تؤكد ما عجز الكلام عن قوله. وهنا يلتقي العرض، ضمنيا، مع تقاليد بيكيت ويونسكو، حيث انهيار اللغة يصبح علامة على انهيار المعنى ذاته.
يتفادى العرض السقوط في الشرح الفلسفي المباشر، مكتفيا ببناء مناخ شعوري يضع المتفرج داخل تجربة العبث بدل تفسيرها. الصمت ليس فراغا، بل امتلاء بالقلق، والسكوت هنا أكثر فصاحة من الخطاب، في عالم لم تعد فيه الكلمات قادرة على قول الحقيقة.
في زمن “الحقيقة البديلة”، وتضخم الصور والخطابات الفارغة، يكتسب هذا العرض راهنيته، إذ يعيد مساءلة الإنسان المعاصر في علاقته بالمعنى، وبالآخر، وبالوجود ذاته. بذلك، لا يكتفي “أتون فاتر” باستحضار كامو، بل يثبت أن العبث لم يكن يوما ماضيا فلسفيا، بل شرطا إنسانيا متجددا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *