بنكيران… عندما يتحول العجز عن الإقناع إلى موهبة في توزيع الشتائم

إذا كان الخطاب السياسي يقاس بقدرته على إقناع المواطنين، فإن عبد الإله بنكيران يبدو اليوم منشغلا بمهمة أخرى تماما: توزيع الإهانات بسخاء، وكأنها آخر ما تبقى في جعبته بعد أن نضبت الأفكار وبهتت الوعود.
فمنذ أشهر، لم يعد الأمين العام لحزب العدالة والتنمية يقدم مشروعا سياسيا بقدر ما يبحث، في كل مهرجان خطابي، عن خصم جديد يعلّق عليه إخفاقاته. وبدا وكأن قاموس الشتائم أصبح برنامجه الانتخابي، فيما تحولت المنصات الحزبية إلى محاكم شعبية تصدر الأحكام دون محاكمة.
وفي تجمعه الأخير بمدينة الصويرة، اختار بنكيران أن يوجّه سهامه نحو مستشاري الملك، فؤاد عالي الهمة وأندري أزولاي، ونعتهما بلفظ “قندوح”، في سابقة أثارت كثيرا من الاستغراب داخل الأوساط السياسية. والغريب أن الرجلين لا يشاركان في أي منافسة انتخابية، ولا يقودان حملة حزبية، ولا ينافسان بنكيران على أصوات الناخبين. فبأي منطق يصبح مستشارو الملك خصوما انتخابيين؟
الأمر لا يخلو من أحد احتمالين: إما خلط غير مفهوم بين المؤسسة والعمل الحزبي، وإما محاولة لافتعال ضجيج إعلامي يعوض غياب الزخم السياسي. فحين تضيق مساحة الإقناع، يصبح الصراخ، عند البعض، وسيلة لتعويض الفراغ.
ولم يكن اختيار الصويرة بريئا. فالمدينة ليست مجرد محطة انتخابية، بل رمز للتعايش والانفتاح، ويرتبط اسمها، منذ عقود، بأندري أزولاي الذي أسهم في تعزيز إشعاعها الثقافي والدولي. ولذلك، بدا الهجوم عليه من قلب هذه المدينة أقرب إلى الاستفزاز منه إلى النقاش السياسي.
اللافت أن المستهدفين لم يكلفا نفسيهما عناء الرد. وربما أدركا أن بعض التصريحات تعاقب أصحابها أكثر مما يعاقبهم خصومهم. فهناك لحظات يصبح فيها الصمت أبلغ من أي جواب.
لكن السؤال الذي ظل يتردد في الأوساط السياسية يتجاوز حدود السجال الحزبي: هل كان الهجوم على أندري أزولاي مجرد انتقاد سياسي، أم أنه حمل، ولو تلميحا، إيحاءات مرتبطة بهويته اليهودية؟ الإجابة يتركها كل واحد لتقديره، لكن طبيعة العبارات المستعملة وسياقها يفتحان الباب أمام هذا التساؤل.
وفي الداخل، لا تبدو أوضاع حزب العدالة والتنمية أفضل حالا. فالأصوات التي تضيق بخطاب بنكيران تتزايد، والقيادات التي تفضل الابتعاد عن خرجاته لم تعد قليلة، بينما يهمس كثيرون بأن الحزب لا يمكن أن يبقى أسير مزاج رجل واحد، مهما كان تاريخه داخل التنظيم.
والأغرب أن بنكيران يتصرف وكأن زلزال انتخابات 2021 لم يقع أصلا. وكأن المغاربة عاقبوا حزبه بسبب خصوم متخيلين، لا بسبب عشر سنوات من الوعود التي تبخرت، والإصلاحات التي أرهقت المواطنين، والأخطاء التي دفع الحزب ثمنها في صناديق الاقتراع.
كل ذلك يطرح سؤالا بسيطا: هل يريد بنكيران فعلا العودة إلى الواجهة، أم أنه يكتفي بإثارة العواصف الكلامية؟ فالسياسة ليست مسابقة في رفع الصوت، ولا بطولة في إطلاق النعوت. والزعامة لا تُقاس بعدد الخصوم الذين نصنعهم، بل بعدد المواطنين الذين نستطيع إقناعهم.
ولعل المفارقة الأكبر أن الرجل الذي اشتهر يوما بخفة ظله وسرعة بديهته، بات اليوم يراهن على خطاب الغضب أكثر مما يراهن على قوة الفكرة. وعندما تصبح الشتيمة بديلا عن الحجة، لا يعود الخاسر خصما سياسيا بعينه، بل يصبح النقاش العمومي برمته أول الضحايا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *