في السياسة كما في العلاقات بين الدول، هناك خلافات يمكن أن تدار بالهدوء، ومواقف يمكن أن تناقش بالحجة، وتصريحات يمكن أن تُترك للزمن كي يضعها في سياقها. لكن حين يتعلق الأمر بالمغرب وملكه وسيادته ومؤسساته الدستورية وبثوابته الوطنية، فإن الصمت يمكن اعتباره حكمة، كما أن الحياد لا يكون في كل الحالات فضيلة.
ما يثير الانتباه اليوم ليس فقط ما يَصْدُرُ عن بعض الأصوات السياسية الاسبانية النشاز، من اليمين أو من بعض مكونات اليسار، من مواقف وتصريحات تتجاوز حدود اللياقة وحدود الاختلاف السياسي المشروع، وإنما ما يرافق ذلك من فتور واضح في التفاعل السياسي المغربي، وكأن بعض الأحزاب الوطنية قررت أن تختصر وجودها في تحضير للاستحقاقات الانتخابية، وإعداد اللوائح، وتنظيم اللقاءات والمهرجانات، وحساب المقاعد والأصوات، بينما هناك في الخارج من يحاول تصريحا أو تلميحا ، الاقتراب من الخطوط الحمراء التي لا ينبغي أن تكون موضوعاً للمزايدات السياسية.
وليس هنا المقصود أن تتحول الأحزاب السياسة المغربية الى وزارة خارجية موازية ولا تنازع المؤسسات المختصة اختصاصاتها، فالثوابت الدستورية واضحة، وتدبير السياسة الخارجية لمملكتنا الشريفة واختياراتها الاستراتيجية تظل من اختصاص السلطات العليا للبلاد.
لكن هذا الاختصاص لا يعني، بأي حال من الأحوال، أن تغلق الأحزاب الوطنية أفواهها عندما يتعلق الأمر بمواقف خارجية تمس المغرب أو تستهدف مؤسساته ورموزه وثوابته.
فالسياسة الخارجية الرسمية شيء والموقف السياسي الوطني من قضية تمس السيادة والكرامة الوطنية شيء أخر. وإذا كان من الطبيعي أن تلتزم الهيئات الحزبية بالمساحة التي يرسمها الدستور فمن الطبيعي أيضا أن يكون لها موقف واضح ومسؤول عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن صورة المغرب ومصالحه الوطنية والرد على الخطاب السياسي الخارجي الذي يتجاوز حدود النقد المشروع.
فالملكية ليست موضوعا للمزايدة. هناك فرق شاسع بين انتقاد السياسة أو مناقشة قرار أو الاختلاف في توجه دبلوماسي، وبين المساس بالمؤسسة الملكية التي تشكل إحدى ركائز النظام الدستوري المغربي وأحد عناصر الاستقرار السياسي والمؤسساتي للمملكة.
ولهذا فإن أي خطاب صادر عن جهة سياسية أجنبية يتجاوز النقد السياسي إلى المساس بالمؤسسة الملكية، أو محاولة تقديم المغرب ومؤسساته بمنطق الوصاية أو التدخل، لا ينبغي أن يمر وكأنه مجرد تصريح عابر في خضم سجال انتخابي اسباني.
المغرب ليس مساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الانتخابية للأحزاب الإسبانية، والرباط ليست موضوعا لحملات انتخابية تجرى في مدريد، والمؤسسة الملكية ليست ورقة انتخابية في يد هذا الحزب الإسباني أو ذاك.
ومن هنا تحديدا يصبح السؤال مشروعا: أين هو الصوت السياسي المغربي؟! أين هي الأحزاب التي اعتادت إصدار البلاغات في أدق التفاصيل الداخلية؟ أين هي الدبلوماسية الحزبية التي يفترض أن تكون إحدى أدوات الحضور المغربي في الخارج؟
المشهد الحزبي لا يمكن أن يختزل في موسم انتخابي. الحزب السياسي ليس آلة انتخابية تشتغل قبل الاقتراع وتتوقف بعد إعلان النتائج. الحزب مؤسسة وطنية، ومن أكبر مسؤولياتها أن تكون حاضرة في القضايا التي تهم البلاد، وأن تتابع ما يجري في محيطها الإقليمي والدولي، وأن تدافع عن مصالح الوطن بالحجة والوعي السياسي. فقوة الأحزاب لا تقاس فقط بعدد المقاعد التي تحصل عليها، وإنما كذلك بقدرتها على قراءة وفهم طبيعة الخطابات الموجهة ضد البلاد، وبناء مواقف سياسية مسؤولة عندما تستدعي الضرورة ذلك.
وهذا لا يعني تحويل العلاقات المغربية الإسبانية إلى ساحة سجال دائم، على العكس، المطلوب هو الرد المسؤول، هادئ، القوي والدقيق. الرد الذي يضع الأمور في نصابها. الرد الذي يفرق بين إسبانيا كدولة تجمعها بالمغرب علاقات استراتيجية، وبين مواقف أحزاب أ وتيارات سياسية مرتبطة بحسابات انتخابية أو ايدولوجية.
الرد الذي يؤكد بوضوح أن المغرب يحترم المؤسسات الديمقراطية الإسبانية واختيارات الشعب الإسباني، لكنه في الوقت نفسه ينتظر من الفاعلين السياسيين الإسبان احترام سيادة المملكة ومؤسساتها وثوابتها.
فالمغرب قد تغير كثيرا في عهد الملك محمد السادس نصره الله ولم يعد ذلك البلد الذي ينتظر أن ترسم له بعض العواصم موقعه أو تحدد له خياراته. فالمغرب اليوم فاعل إقليمي وازن، وشريك استراتيجي ودولة تدافع عن مصالحها بثبات ووضوح. ومن حقه بل من واجبه أن يواجه الخطابات التي تتعامل معه بمنطق الماضي أو الوصاية.
وفي الأخير، تبقى قاعدة واحدة غير قابلة للتأويل: يمكن أن نختلف في كل شيء تقريبا… لكن عندما يتعلق الأمر بالمغرب بسيادته وبمؤسساته الدستورية، وبمؤسسته الملكية فهناك خطوط حمراء لا ينبغي لأي مزايدة في الداخل أو الخارج أن تجعلها موضوعا للعبث.
وإذا كان بعض السياسيين في إسبانيا قد اختاروا أن يجعلوا من المغرب مادة في سجالاتهم، فليس مطلوبا من الأحزاب المغربية أن تجعل من نفسها طرفا في المعركة، ولكن من حق الوطن عليها أن لا تترك الساحة خالية.
