حسان-الرباط. حين تترك الصباغة وراءها ما تشوّه

تجميل المدينة ليس مجرد صباغة للواجهات، ولا ينتهي حين ترفع فرق الأشغال أدواتها وتغادر المكان. فحين يتعلق الأمر بحي تاريخي مثل حسان بالرباط، فإن كل تدخل في المباني والواجهات يفترض عناية بالتفاصيل، لأن المدينة ليست جدرانا وألوانا فقط، وإنما ذاكرة يسكنها الناس، ويعيشون تفاصيلها اليومية.
منذ أكثر من سنة، أطلقت “شركة الرباط الجهة للتهيئة”، بتنسيق وإشراف من ولاية جهة الرباط-سلا-القنيطرة، مبادرة لتزيين العمارات التاريخية بحي حسان، في إطار البرنامج الملكي “الرباط مدينة الأنوار: عاصمة المغرب الثقافية”. وهي مبادرة محمودة في أهدافها، خصوصا أن الغاية منها الارتقاء بالمشهد الحضري والمعماري للعاصمة، وتحويل شوارعها إلى فضاء جمالي مفتوح.
لكن جمال الفكرة لا يعفي من مساءلة طريقة التنفيذ.
فقد جرى توحيد صباغة الواجهات باللونين الأبيض والرمادي، وتنظيم المظهر الخارجي للعمارات، وإزالة بعض المشوهات البصرية، فضلا عن تنظيم واجهات المحلات التجارية والستائر. وكل ذلك مفهوم في سياق السعي إلى خلق انسجام بصري يحترم خصوصية حي يحتضن أحد أبرز رموز الرباط التاريخية: صومعة حسان.
غير أن التفاصيل الصغيرة هي التي يمكن أن تفسد أحيانا مشروعا كبيرا.
فبعض ستائر الشرفات أزيلت حتى لا تمسها الصباغة، لكن بعضها، بعد انتهاء الأشغال، ظل مرميا على الأرض أو تعرض للتشويه. وهنا تتحول المسألة من مجرد ملاحظة عابرة إلى سؤال عن مفهوم التهيئة نفسه: هل المطلوب أن تبدو الواجهات جميلة من الخارج، أم أن يشمل التجميل أيضا ما خلفته الأشغال من آثار على حياة السكان وممتلكاتهم؟
السكان الذين تابعوا العملية لا يبحثون بالضرورة عن معجزة. هم يريدون فقط أن تنتهي الأشغال كما ينبغي، وأن تعاد الأشياء التي أزيلت إلى أماكنها، وأن تتم معالجة ما تعرض للتلف. والأكثر إزعاجا أن بعضهم، حين حاول إيصال شكواه إلى المسؤول الذي تعرفوا عليه، تلقى وعودا بالتكفل بالموضوع، قبل أن يصطدم بعد ذلك بعدم الحضور أو بعدم الرد على الاتصالات.
وهنا تختصر عبارة شعبية واحدة كل الحكاية: “هادي خدمة ناقصة”.
المفارقة أن مشروعا يراد منه تجميل الرباط يمكن أن يفقد شيئا من أثره الإيجابي بسبب تفاصيل بسيطة كان بالإمكان تداركها. فالمشاريع الحضرية الكبرى لا تقاس فقط بمظهرها النهائي، وإنما أيضا بطريقة تعاملها مع السكان، وبمدى احترامها لممتلكاتهم، وبقدرتها على معالجة الملاحظات التي تظهر أثناء التنفيذ وبعده.
حسان لا يحتاج إلى صباغة جميلة فقط. إنه يحتاج إلى عناية تليق بذاكرته وبسكانه. وإذا كانت “مدينة الأنوار” تريد أن تجعل من شوارع الرباط معرضا فنيا مفتوحا، فإن أول شروط هذا المعرض أن تكون التفاصيل الصغيرة مضيئة هي الأخرى.
لأن المدينة الجميلة ليست التي تبدو جميلة في الصور فقط، وإنما تلك التي يشعر سكانها بأن جمالها لم يأتِ على حسابهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *