لم يكن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة مجرد حدث يرتبط باسم امرأة تصل، للمرة الأولى، إلى هذا الموقع في تاريخ المغرب، بل يأتي أيضا في سياق مسار مؤسساتي طويل جعل حضور المرأة المغربية في مواقع القرار يتجاوز، منذ سنوات، حدود التمثيل الرمزي إلى تحمل مسؤوليات سياسية وإدارية ومؤسساتية وازنة. فقد عينها الملك محمد السادس، يوم 29 شتنبر 2026، رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، لتدخل بذلك تاريخ المغرب السياسي من أوسع أبوابه.
غير أن أهمية هذا التعيين لا ينبغي أن تحجب حقيقة أخرى: فالمرأة المغربية لم تكن غائبة عن دوائر القرار العليا قبل وصول المنصوري إلى رئاسة الحكومة. فقد سبقتها أسماء نسائية إلى مواقع ظلت، في مراحل سابقة، حكرا شبه كامل على الرجال، وراكمت عبرها حضورا مؤسساتيا جعل تولي امرأة لمسؤولية كبرى أمرا أقل غرابة مما كان عليه في الماضي.
كانت زليخة نصري من أبرز الأسماء التي دشنت هذا المسار، إذ أصبحت أول امرأة تشغل منصب مستشارة للملك، واضطلعت خلال مسارها بعدد من المسؤوليات الحكومية والإدارية، قبل أن تلتحق بالديوان الملكي مستشارة للملك الحسن الثاني، ثم تواصل حضورها في العمل المؤسساتي والاجتماعي ضمن الفريق الصغير للملك محمد السادس. وقد شكل وصولها إلى موقع المستشار الملكي محطة بارزة في تاريخ صعود المرأة المغربية إلى أعلى دوائر القرار.
وفي مؤسسة دستورية أخرى ذات أهمية خاصة، تتولى زينب العدوي رئاسة المجلس الأعلى للحسابات منذ تعيينها من طرف الملك محمد السادس سنة 2021. وتضطلع هذه المؤسسة بمهمة المراقبة العليا للمالية العمومية، وتعزيز مبادئ الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، ما يجعل وصول امرأة إلى رئاستها مؤشرا آخر على اتساع حضور الكفاءات النسائية في مؤسسات الدولة.
وفي قطاع استراتيجي آخر، تتولى أمينة بنخضرا الإدارة العامة للمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن، وهي مسؤولية تضعها في قلب واحد من القطاعات المرتبطة بالطاقة والثروات المعدنية والاستكشافات الجيولوجية. وما زالت بنخضرا تحمل هذه المسؤولية، بما يعكس حضور المرأة في مواقع ترتبط بملفات اقتصادية واستراتيجية ذات أهمية وطنية.
ولم يقتصر هذا المسار على المؤسسات والهيئات الكبرى، بل امتد أيضا إلى الحكومات المتعاقبة، التي شهدت تعيين وزيرات في قطاعات مختلفة، كما شهدت الإدارة العمومية حضورا متزايدا للنساء في مواقع المسؤولية. وهكذا، أخذت صورة المرأة في الدولة المغربية تتغير تدريجيا: من حضور محدود في بعض المجالات إلى مشاركة مباشرة في تدبير ملفات اقتصادية واجتماعية وسياسية ومؤسساتية.
من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى تعيين المنصوري باعتباره محطة جديدة في مسار لم يبدأ معها. الجديد هذه المرة هو طبيعة الموقع نفسه: رئاسة الحكومة. أما حضور المرأة في مواقع القرار، فقد أصبح جزءا من مشهد مؤسساتي تكرس على امتداد سنوات، في انسجام مع إرادة ملكية متواصلة لتعزيز مشاركة المرأة المغربية في الحياة العامة وتوسيع حضورها في مواقع المسؤولية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن معيار تحمل المسؤولية، في نهاية المطاف، لا ينبغي أن يكون جنس المسؤول، وإنما الكفاءة والاستحقاق والقدرة على تدبير الملفات وتحقيق النتائج. فالمنصب العام لا يمنح امتيازا للمرأة لأنها امرأة، كما لا ينبغي أن يحول جنس الرجل دون وصوله إلى المسؤولية، الفيصل هو ما يملكه المرشح أو المسؤول من مؤهلات وخبرة وقدرة على الإنجاز.
ولذلك، فإن وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة يمكن قراءته على مستويين متكاملين: فهو، من جهة، سابقة تاريخية باعتبارها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المغرب، وهو، من جهة ثانية، امتداد طبيعي لمسار مؤسساتي سبق أن فتح أمام نساء مغربيات أبوابا واسعة نحو مواقع قيادية مؤثرة.
من زليخة نصري إلى زينب العدوي وأمينة بنخضرا، مرورا بالوزيرات والنساء اللواتي تحملن مسؤوليات عليا في الإدارة والمؤسسات العمومية، تبدو الطريق التي قادت إلى المنصوري أطول من لحظة تعيين واحدة. إنها حصيلة تراكم جعل حضور المرأة في مواقع القرار جزءا من الواقع المؤسساتي المغربي، لا مجرد استثناء عابر.
وهكذا، فإن القيمة الرمزية لوصول امرأة إلى رئاسة الحكومة لا تكمن فقط في كسر سقف تاريخي، وإنما أيضا في أن هذا الوصول أصبح ممكنا داخل مسار سبق أن مهدت له نساء مغربيات أخريات. أما الاختبار الحقيقي للمنصوري، فسيبدأ من لحظة تشكيل الحكومة: هناك، بعيدا عن رمزية التعيين، ستصبح الكفاءة والقدرة على الإنجاز وتدبير الملفات هي اللغة الوحيدة التي ستقاس بها المسؤولية.
