منذ أن خرج “التجمع الوطني للأحرار” إلى الوجود في أكتوبر 1978، بعد بروز كتلة المستقلين في انتخابات 1977، ظل الحزب رقما ثابتا في معادلة الحكم المغربي. صحيح أنه عرف فترات من المعارضة، ولم يشارك في حكومة عبد الإله بنكيران الأولى، لكن مساره العام ظل مرتبطا بالحكومات أكثر مما ارتبط بالمعارضة.
كان ذلك واضحا حتى في واحدة من أكثر اللحظات دلالة في تاريخ الحياة السياسية المغربية: حكومة التناوب التي قادها الاتحادي عبد الرحمان اليوسفي سنة 1998. فقد دخل “الأحرار” إلى حكومة كان يقودها حزب ظل لعقود في صفوف المعارضة، إلى جانب “الاستقلال” و”التقدم والاشتراكية” و”الحزب الاشتراكي الديمقراطي”. ومنذ ذلك التاريخ تقريبا، تحول الحضور الحكومي للحزب إلى قاعدة، بينما أصبحت المعارضة استثناء.
حتى في سنوات صعود “العدالة والتنمية”، بعد دستور 2011 وحراك 20 فبراير، لم يبتعد التجمع طويلا عن دائرة السلطة. عاد إلى الحكومة في الولاية الثانية لبنكيران، ثم واصل حضوره في حكومة سعد الدين العثماني، قبل أن ينتقل في انتخابات 2021 من موقع الشريك الحكومي إلى موقع القيادة، بعدما تصدر الانتخابات بـ102 مقعد، وتولى عزيز أخنوش رئاسة الحكومة.
لكن انتخابات 23 شتنبر 2026 حملت انقلابا في ترتيب الأدوار. تراجع “الأحرار” إلى المرتبة الثانية بـ66 مقعدا، خلف الأصالة والمعاصرة الذي تصدر بـ97 مقعدا، بينما جاء الاستقلال ثالثا بـ65 مقعدا. والأهم أن الحزب الذي قاد الحكومة لخمس سنوات وجد نفسه هذه المرة أمام واقع سياسي جديد، بعدما انتقلت مبادرة تشكيل الحكومة إلى الحزب المتصدر.
صحيح أن المرتبة الثانية لا تعني تلقائيا الذهاب إلى المعارضة. فتركيبة الأغلبية تُحسم بالمشاورات السياسية، لا بمجرد ترتيب الأحزاب في الانتخابات. والدليل أن “الأحرار” دخل بالفعل في مشاورات مع الأصالة والمعاصرة في 30 شتنبر، بعد تكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة.
غير أن احتمال جلوس “الأحرار” في مقاعد المعارضة يفتح صفحة مختلفة في تاريخ الحزب. فالمسألة لا تتعلق فقط بفقدان حقائب وزارية أو بمغادرة عزيز أخنوش لرئاسة الحكومة، وإنما باختبار سياسي لحزب اعتاد أن يكون جزءا من السلطة، وأن يمارس السياسة من داخل المؤسسات التنفيذية.
وهنا تكمن المفارقة: هل يستطيع “الأحرار” أن يعيد اكتشاف نفسه خارج الحكومة؟ وهل يمتلك، بعد عقود من الحضور الحكومي، خطابا وأدوات سياسية تسمح له بأن يكون معارضة حقيقية؟ أم أن خروجه من الحكومة سيتركه، كما يتردد في الكواليس، أمام حالة من “اليُتم السياسي”؟
قد تكون هذه، في نهاية المطاف، أهم نتيجة غير انتخابية لاقتراع 2026: أن يُجبر حزب “الحمامة” على اكتشاف موقع لم يألفه طويلا.
