بين خطاب الشراكة الاستراتيجية مع الرباط ومشهد تكريس الحضور الإسباني في سبتة، تضع زيارة فيليبي السادس العلاقات بين البلدين أمام مفارقة سياسية لا يمكن إخفاؤها وراء المجاملات الدبلوماسية.
ليست زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة، اليوم، مجرد محطة في جدول أنشطة العائلة الملكية الإسبانية، ولا مناسبة بروتوكولية للاطلاع على أوضاع مدينة تتمتع بنظام الحكم الذاتي داخل إسبانيا. إنها خطوة ذات حمولة سياسية ورمزية واضحة، تعيد إلى الواجهة واحدا من أقدم الملفات العالقة في العلاقات المغربية الإسبانية: ملف سبتة ومليلية والجزر المحتلة.
من منظور مغربي، تكمن دلالة الزيارة في كونها تكرس، على المستوى الرمزي، الحضور الإسباني في مدينة يعتبرها المغرب جزءا من ترابه الوطني. فالملك، بصفته رئيس الدولة الإسبانية، لا يزور مجرد مدينة حدودية، بل يمنح حضوره الملكي ثقلا سياديا، ويؤكد ارتباط المؤسسة الملكية الإسبانية بالمدينتين. وبذلك، تتحول الزيارة من حدث بروتوكولي إلى رسالة سياسية، حتى إن لم تُعلن مدريد صراحة أنها موجهة إلى الرباط.
شراكة استراتيجية أم تناقض سياسي؟
تزداد حساسية هذه الخطوة بالنظر إلى المسار الذي قطعته العلاقات المغربية الإسبانية منذ سنة 2022، حين أعلنت مدريد دعمها مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب لحل نزاع الصحراء. وقد فتح ذلك الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون السياسي والأمني والاقتصادي بين البلدين.
غير أن هذا التقارب يطرح سؤالا مشروعا من الجانب المغربي: كيف يمكن الحديث عن شراكة استراتيجية قائمة على الثقة المتبادلة، في الوقت الذي تصر فيه إسبانيا على تكريس وضع قائم يعتبره المغرب امتدادا لإرث تاريخي لم يُطوَ بعد؟
لا يعني ذلك أن دعم مدريد للموقف المغربي بشأن الصحراء ينبغي أن يكون مقابله تنازل إسباني فوري بشأن سبتة ومليلية، فلكل ملف سياقه وتعقيداته. لكنه يعني أن الشراكة لا يمكن أن تتحول إلى غطاء لتجميد الخلافات الجوهرية، أو إلى مطالبة المغرب بالتعامل مع الوضع القائم باعتباره حقيقة نهائية خارج أي نقاش.
وتبرز هنا مفارقة أساسية: تريد إسبانيا من المغرب أن يكون شريكا موثوقا في حماية الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية، وتدبير التحديات الأمنية في غرب المتوسط، لكنها تتمسك، في المقابل، بموقف سيادي لا يترك مجالا للنقاش حول المدينتين من وجهة نظرها.
سبتة.. ما وراء أزمة الهجرة
تأتي الزيارة في سياق بالغ الحساسية، عقب أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة في يوليوز الماضي، والتي كشفت حجم الترابط بين أمن المدينة وعلاقاتها مع المغرب. وقد أعادت تلك الأحداث إلى النقاش الإسباني أسئلة تتعلق بالحدود والتضامن الأوروبي ومستقبل المدينة، كما ألقت بظلالها على العلاقات الثنائية.
لكن اختزال القضية في تدبير الهجرة وحده يظل قراءة ناقصة. فالهجرة، مهما بلغت خطورتها الإنسانية والأمنية، لا تلغي الجذور التاريخية والسياسية للنزاع حول سبتة. كما أن التعاون الحدودي لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للضغط المتبادل، أو إلى معيار وحيد لتقييم العلاقات بين البلدين.
ومن هذه الزاوية، تبدو الزيارة محاولة لتأكيد حضور الدولة الإسبانية وطمأنة سكان المدينة، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن مستقبلها الاقتصادي والاجتماعي. غير أن هذا الهدف الداخلي، مهما كانت مشروعيته من وجهة النظر الإسبانية، لا يبدد التحفظ المغربي على توظيف الرموز السيادية في مجال يظل موضع خلاف تاريخي وسياسي.
لا انفعال ولا نسيان
لا تكمن قوة الموقف المغربي في ردود الفعل الانفعالية، ولا في تحويل كل خطوة إسبانية إلى أزمة دبلوماسية، بل في القدرة على الجمع بين الدفاع الواضح عن المطالب الوطنية والحفاظ على المصالح الاستراتيجية للبلاد.
فالمغرب وإسبانيا تجمعهما مصالح عميقة تتجاوز ملف المدينتين: التجارة والاستثمار، والأمن، والطاقة، والتعاون في مواجهة شبكات الاتجار بالبشر، فضلا عن الروابط الإنسانية بين ضفتي المتوسط. ولذلك، فإن أي تصعيد غير محسوب قد يضر بمصالح الطرفين، من دون أن يقربهما من تسوية الخلاف التاريخي.
لكن الواقعية السياسية لا تعني الصمت، كما أن حسن الجوار لا يقتضي التخلي عن الذاكرة الوطنية. ومن حق المغرب أن يميز بين احترام المؤسسات الإسبانية ومواقفها الداخلية، وبين القبول السياسي بالوضع القائم في سبتة ومليلية.
ويقتضي ذلك استمرار العمل الدبلوماسي والتاريخي والقانوني، وتعزيز التنمية في شمال المملكة، وتطوير جاذبية المناطق المحيطة بالمدينتين، بما يرسخ المصالح المغربية ويمنح الموقف الوطني عناصر قوة إضافية، بعيدا عن الشعارات التي لا تنتج تغييرا ملموسا.
