دي ميستورا يضيّق الخناق التفاوضي على البوليساريو ويدفعها نحو الحكم الذاتي المغربي

تحمل إحاطة ستافان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية، أمام مجلس الأمن في 8 أكتوبر 2026، مؤشرات سياسية مهمة بالنسبة إلى مسار النزاع، خصوصا من خلال الدعوة إلى جعل الحكم الذاتي محور المفاوضات المقبلة، ومطالبة جبهة البوليساريو بالانخراط الجدي في مناقشة المقترح المغربي، بدل الاكتفاء برفضه أو التمسك بمواقفها السابقة.
أبرز ما يلفت الانتباه في مداخلة دي ميستورا هو تشخيصه الصريح لأسباب تعثر العملية السياسية. فقد وضع رفض البوليساريو الخوض بجدية في تفاصيل الحكم الذاتي ضمن العوامل الرئيسية التي أدت إلى وصول المفاوضات إلى طريق مسدود، إلى جانب انعدام الثقة بين الطرفين وتعقيد القضايا المطروحة. ويكتسي هذا التقييم أهمية خاصة، لأنه ينقل جزءا من النقاش إلى مدى استعداد الجبهة للتفاعل مع الإطار التفاوضي الذي يدعو إليه مجلس الأمن.
وفي المقابل، وصف المبعوث الأممي الوثيقة المغربية، المكونة من 39 صفحة، بأنها توفر أساسا متينا للمفاوضات، مع التأكيد على أنها ليست صيغة نهائية جاهزة للاعتماد، بل تحتاج إلى مزيد من النقاش والتفاوض. ويعزز هذا الموقف موقع المبادرة المغربية باعتبارها قاعدة عملية يمكن الانطلاق منها لبحث تسوية سياسية، بدلا من العودة في كل مرحلة إلى نقطة البداية.
ولم يكتف دي ميستورا بالدعوة إلى مناقشة المقترح، بل طالب البوليساريو بدراسته، وطلب توضيحات بشأن بنوده، واقتراح تعديلات وتحسينات محددة عليه. كما دعا مجلس الأمن إلى توضيح مواطن الغموض في قراره رقم 2797، حتى يصبح الحكم الذاتي أساسا واضحا للمناقشات المقبلة. ومن شأن هذا التوجه أن يفرض على الجبهة مراجعة أسلوب تعاملها مع المبادرة المغربية، والانتقال من رفضها المبدئي إلى تقديم مقترحات ملموسة بشأن مضمونها.
ومن بين الملفات التي أثارتها الإحاطة أيضا، مبادرة تنظيم زيارات فردية وطوعية للاجئين الصحراويين إلى العيون والداخلة، بتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لتمكينهم من الاطلاع على الأوضاع في المنطقة وطرح أسئلتهم بشأن الحكم الذاتي. ووفق النص الذي تضمنته الإحاطة، أبدت البوليساريو استعدادها للتعاون مع المفوضية لتسهيل هذه الزيارات، وهو ما قد يفتح المجال أمام إشراك أوسع للصحراويين في النقاش المتعلق بمستقبلهم.
وتبدو حساسية هذه الإحاطة بالنسبة إلى البوليساريو مرتبطة أساسا بتكريس الحكم الذاتي مرجعا مركزيا للمفاوضات، وبالدعوة إلى مناقشة المقترح المغربي وتطويره، مع مطالبة الجبهة بإبداء مرونة سياسية قبل نهاية العام. لكن المبعوث الأممي لم يعف المغرب بدوره من مسؤولية تقديم تنازلات، إذ تحدث عن الحاجة إلى شجاعة سياسية ومرونة تاريخية من الطرفين.
وعليه، فإن أبرز ما تمنحه الإحاطة للمغرب هو تعزيز موقع مبادرته باعتبارها أساسا عمليا للتفاوض، ووضع البوليساريو أمام استحقاق الانتقال من رفض الحكم الذاتي إلى مناقشة تفاصيله. ومع ذلك، لا تعني هذه المؤشرات أن النزاع حُسم نهائيا، بل إن المرحلة المقبلة ستتوقف على مدى استعداد الطرفين لتحويل هذا التوجه إلى مفاوضات فعلية تفضي إلى تسوية سياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *