قيس سعيّد يخاطب القمر… والتونسيون يبحثون عن الخبز!

مرة أخرى، يخرج قيس سعيد ليؤكد أن الخطاب السياسي في تونس لم يعد مجرد كلمات تُلقى، بل تجربة غيبية مفتوحة على كل التأويلات الممكنة… وربما المستحيلة أيضا. فالرجل، الذي يبدو أنه قرر منذ مدة مغادرة كوكب السياسة التقليدية، يصرّ على مخاطبة التونسيين بلغة أقرب إلى “دليل استخدام غامض” منها إلى خطاب رئاسي واضح.
في خطابه الأخير، لم يكتفِ الرئيس بالحديث عن السيادة أو الأوضاع الاقتصادية، بل اختار أن يربطها… بالقمر. نعم، القمر، ذلك الذي اكتمل على ما يبدو في سماء تونس، ليصبح فجأة شاهدا على السيادة وشريكا في شعارات الثورة. أما حركات الأصابع والمصطلحات من قبيل “العناق” و”الفراق” و”الغرف المظلمة”، فقد جعلت البعض يتساءل إن كانوا أمام خطاب سياسي أم حصة متقدمة في فك الشيفرات الغامضة.
وزير الخارجية السابق رفيق عبد السلام لم يتردد في وصف الأمر بـ”الطلاسم”، وهو توصيف قد يبدو قاسيا… لولا أن الواقع أحيانا يسبقه بخطوة.
المفارقة أن هذا الخطاب الكوني يأتي في وقت ينشغل فيه التونسيون بأمور أقل شاعرية بكثير: أسعار تلامس النجوم (لكن دون اكتمال القمر)، ومواد استهلاكية تختفي وكأنها دخلت فعلا “الغرف المظلمة” التي تحدث عنها الرئيس.
أما من حيث الأسلوب، فيبدو أن الرئيس لم يكتفِ بالسياسة، بل قرر القيام بجولة تاريخية شاملة: من مراسلات النبي محمد إلى كسرى وهرقل، مرورا بالخليفة عمر بن الخطاب، وصولا إلى شعراء مثل المتنبي وجرير. خليط زمني متكامل يجعل المستمع غير متأكد إن كان يتابع خطابا رئاسيا أم مسلسلا تاريخيا متعدد المواسم.
ولأن لكل نص معقد شروحا، فقد أحاط الرئيس نفسه -في مرحلة ما- بفريق من “المفسرين”، في ما يشبه النسخة السياسية من شروح المتون. لكن التجربة لم تسر كما يجب، إذ تحوّل هؤلاء بسرعة من مفسرين إلى مادة للسخرية، بعد أن بالغوا في تقديم الرئيس كـ”ظاهرة كونية” لا تُفهم إلا باجتهاد جماعي.
النقاش لم يتوقف عند حدود اللغة والأسلوب، بل امتد إلى ما هو أبعد، مع دعوات متكررة للكشف عن الحالة الصحية للرئيس، خاصة بعد تسريبات نسبت إلى نادية عكاشة تحدثت فيها عن وضع نفسي مقلق. زاد الطين بلة تصريحات الرئيس نفسه حين قال، بكل ثقة، إنه يشعر وكأنه “من كوكب آخر”… وهي جملة ربما لم تكن بحاجة إلى كثير من الشرح.
من جهته، لم يفوّت الرئيس السابق منصف المرزوقي الفرصة، فشخّص الحالة بطريقته، متحدثا عن “بارانويا” وعقدة اضطهاد، في مشهد سياسي يبدو فيه الجميع محللين نفسيين… باستثناء من يُفترض أنه موضوع التحليل.
في المحصلة، يبدو أن التونسيين وجدوا أنفسهم أمام معادلة جديدة: خطاب يحتاج إلى تفسير، ومفسرون يحتاجون إلى تفسير، وواقع لا يحتاج سوى إلى حلول… ربما لا علاقة لها بالقمر هذه المرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *