لنضحك قليلا. هجرة أفارقة جنوب الصحراء من المغرب إلى تونس عبر الخيال العلمي!

يبدو أن بعض المنابر والأصوات في تونس اكتشفت أخيرا وسيلة نقل ثورية لم تصل إليها بعد ناسا ولا وكالة الفضاء الأوروبية. فحسب بعض الروايات المتداولة، أصبح المغرب قادرا على “إغراق” تونس بالمهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء، رغم أن بين البلدين مئات الكيلومترات من الأراضي الجزائرية، ولا توجد بينهما حدود برية ولا ممرات سرية ولا أنفاق تحت البحر الأبيض المتوسط.
هذه الرواية تستحق أن تدرج ضمن أدب الخيال العلمي أكثر مما تستحق أن تناقش في نشرات الأخبار والبرامج السياسية. فالمهاجر، وفق هذا المنطق العجيب، يغادر المغرب ثم يختفي في الهواء، قبل أن يظهر فجأة على الأراضي التونسية، وكأنه استعمل تقنية “الانتقال الآني” التي يحلم بها العلماء منذ عقود.
الأطرف من ذلك أن أصحاب هذه النظرية لا يقدمون أي تفسير منطقي لكيفية عبور آلاف المهاجرين لمسافات شاسعة عبر دول أخرى دون أن تراهم أجهزة المراقبة أو قوات الأمن أو حرس الحدود. وكأن الخرائط الجغرافية للمغرب العربي أصبحت مجرد اقتراحات يمكن تجاوزها بقليل من الخيال.
والحال أن المغرب وتونس يواجهان المشكلة نفسها التي تواجهها دول عديدة في المنطقة، وهي تدفقات الهجرة غير النظامية القادمة من إفريقيا جنوب الصحراء. لكن بدلا من البحث عن الأسباب الحقيقية للمشكلة ومساراتها المعروفة، يفضل البعض البحث عن متهم جاهز يعلق عليه كل الأزمات.
في هذا السياق، تبدو بعض الاتهامات أقرب إلى محاولة لصناعة عدو افتراضي منها إلى تحليل جدي للواقع. فحين تعجز السياسة عن تقديم حلول، يصبح من السهل اختراع مؤامرات عابرة للقارات وإلقاء المسؤولية على طرف بعيد جغرافيا عن مسرح الأحداث.
المفارقة أن أصحاب هذه المزاعم يتحدثون عن المهاجرين وكأنهم طرود بريدية يرسلها بلد إلى آخر، متناسين أن الهجرة ظاهرة معقدة تحكمها عوامل اقتصادية واجتماعية وأمنية وسياسية، وليست خدمة توصيل سريعة بين العواصم المغاربية.
ربما آن الأوان للعودة إلى الخرائط قبل إطلاق الاتهامات. فالجغرافيا، رغم كل شيء، ما زالت عنيدة. والمسافة بين المغرب وتونس لا تختفي بمجرد صدور عنوان مثير أو تدوينة غاضبة أو تصريح يبحث عن شماعة جديدة.
أما إذا ثبت فعلا أن المغرب يرسل المهاجرين مباشرة إلى تونس من دون المرور بأي دولة أخرى، فسيكون من حق البشرية كلها أن تدرس هذه المعجزة اللوجستية غير المسبوقة، وأن تمنح أصحاب هذه النظرية جائزة كبرى في مجال الخيال السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *