رغم الإعلان عن “كشف معلومات حاسمة” بشأن تورط المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، تستند الحملة الجديدة التي أطلقها اتحاد Forbidden Stories الفرنسي إلى مصدر مجهول لا يمكن التحقق منه، وإلى مقارنات وثائقية هشة، فضلا عن استمرار الخلط بين الاكتشاف التقني للهجمات الإلكترونية وإسناد المسؤولية إلى جهة حكومية بعينها.
للوهلة الأولى، يبدو أن كل شيء قد تغير. إذ تؤكد Forbidden Stories أنها تمكنت أخيرا من إعادة بناء الكيفية التي حصل بها المغرب، بحسب زعمها، على برنامج التجسس بيغاسوس، وحددت المسؤولين عن تشغيله، بل وكشفت الاسم الرمزي الذي أطلقته مجموعة NSO Group على ما تصفه بزبونها المغربي المفترض. وبعد خمس سنوات من أولى منشوراتها، توحي المؤسسة بأن ملفها بات اليوم مكتملا.
غير أن التمعن في هذه الرواية يكشف أن التغيير لا يكمن في الوقائع، بقدر ما يكمن في أسلوب سردها. فالحملة التي أطلقت في 16 يوليوز 2026 لا تقدم الوثيقة الحاسمة التي كانت غائبة سنة 2021، وإنما تضيف إلى الاتهامات السابقة شخصية محورية جديدة، وتفاصيل سردية، وخيطا إماراتيا، إلى جانب مقارنات مع أرشيفات ووثائق تعود إلى سياقات مختلفة.
ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كانت المنشورات الجديدة أطول أو أكثر إثارة، بل بما إذا كانت تقدم، للمرة الأولى، دليلا مباشرا وقابلا للتحقق يثبت اقتناء المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني لبرنامج بيغاسوس أو استخدامها له.
ومثل هذا الدليل يفترض أن يكون قابلا للتحديد بوضوح، كأن يتمثل في عقد مبرم مع مجموعة NSO Group أو أحد وسائطها، أو فاتورة شراء، أو ترخيص تصدير يحدد هوية المستخدم النهائي، أو تحويل مالي، أو مراسلات تجارية صريحة، أو سجل تسليم، أو حساب زبون مرتبط بإدارة مغربية، أو سجل عمليات يُسند هجوما إلكترونيا محددا إلى مشغل تابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.
لكن أين هي الوثائق؟
غير أن Forbidden Stories لا تنشر أيا من هذه الوثائق. وبدلا من ذلك، تجعل من مصدر مجهول، يحمل الاسم المستعار “سفير”، محورا أساسيا لروايتها. ويؤكد الاتحاد الإعلامي أن هذا الشخص هو عنصر سابق في جهاز الاستخبارات الداخلية المغربية، عمل لنحو عشر سنوات داخل المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني. وتعتمد الرواية، في جوهرها، على أقواله لتحديد هوية الأشخاص، ووصف آلية العمل المفترضة، وتفسير عدد من المعطيات التي سبق نشرها.
ولا تكمن الإشكالية في كون المصدر مجهول الهوية فحسب، إذ أن حماية هوية المخبر قد تكون مبررة إذا كانت سلامته معرضة للخطر. لكن المشكلة تتمثل في أن أي عنصر مستقل ومتاح للعموم لا يسمح بالتحقق من وجود “سفير” فعلا، أو من عمله داخل المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، أو من طبيعة المهام التي يقال إنه اضطلع بها، أو من مستوى اطلاعه على المعلومات التي يدعي معرفتها.
ويُطلب من القارئ، في الوقت نفسه، أن يسلّم بصحة هويته، ومساره المهني، ومستوى الصلاحيات التي كان يتمتع بها، ودقة روايته للوقائع، فقط لأن Forbidden Stories تؤكد أنها تحققت من ذلك. غير أن عناصر هذا التحقق تبقى حبيسة أروقة الاتحاد الإعلامي، ولا تُعرض على الرأي العام.
ولا يقدم “سفير” أي وثيقة مهنية يمكن التحقق من صحتها، ولا مذكرة إدارية، ولا قرار تعيين، ولا تقريرا داخليا يحمل رقما مرجعيا، ولا مراسلات إدارية قابلة للمطابقة أو التدقيق. كما أنه لا يقدم نسخة من عقد يتعلق ببرنامج بيغاسوس، أو سجلا تقنيا، أو تعليمات تشغيلية.
ولا شك أن المصدر المجهول قد يقود إلى خيط للتحقيق، لكنه لا يمكن أن يكون، في الآن ذاته، مصدر الاتهام، ومفتاح تفسير المعطيات، والدليل على مصداقية نفسه.
ومع ذلك، فهذا هو المنهج الذي اعتمدته Forbidden Stories. فالمصدر ينسب أرقاما هاتفية معينة إلى أشخاص يقول إنهم مرتبطون بتشغيل المنظومة، ثم يلاحظ الاتحاد أن هذه الأرقام موجودة بالفعل في قاعدة البيانات التي استند إليها “مشروع بيغاسوس”، ليعتبر هذا التوافق دليلا على صحة شهادة المصدر.
غير أن هذا الاستدلال يدور في حلقة مفرغة. فالمصدر هو من يمنح الأرقام هوية ووظيفة محددة، ثم يُستدل بوجودها في قاعدة البيانات لإثبات موثوقية المصدر نفسه.
لا أدلة تحسم الاتهام
بين هاتين المرحلتين، تغيب أي وسيلة تحقق مستقلة. فلا يوجد ما يثبت علنا من أدرج هذه الأرقام في قاعدة البيانات، ومتى أُضيفت، ولأي غرض، وبأي مستوى من الصلاحيات. كما لا يوجد ما يحدد ما إذا كانت هذه الأرقام تعود إلى مستخدمين، أو أهداف محتملة، أو اختبارات تقنية، أو أي فئة أخرى.
وتذهب Forbidden Stories إلى حد القول إن بعض هذه الأرقام أُدرجت بغرض اختبار البرنامج. غير أن هذا التفسير لا يستند إلى سجل تقني صادر عن شركة NSO Group، ولا إلى تعليمات تشغيلية عُثر عليها ضمن أرشيف المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، بل يعتمد، مرة أخرى، على رواية “سفير”.
وهكذا تصبح قاعدة البيانات، في نظر الاتحاد الإعلامي، موثوقة بما يكفي لتوجيه الاتهام إلى المغرب، بينما يظل تفسير محتواها رهينا بمصدر مجهول لا يمكن التحقق من مصداقيته. وبذلك تتحول كل معطيات ملتبسة إلى عنصر يستخدم لتأكيد ما سبقها، في دائرة مغلقة من الاستدلال.
وتحاول الحملة الجديدة كذلك سد الفراغ الناجم عن غياب أي دليل على وجود تعامل مباشر بين المغرب وشركة NSO Group، وذلك بطرح فرضية وجود وسيط إماراتي. إذ تزعم أن شركة مقرها دولة الإمارات العربية المتحدة لعبت دور الوسيط، وأن أبوظبي ربما تولت تمويل حصول المغرب على البرنامج.
غير أن هذه الفرضية تُطرح بوصفها تفسيرا لغياب أي أثر لمدفوعات مالية مغربية لفائدة NSO Group، من دون أن تستند، هي الأخرى، إلى أي مسار مالي موثق أو معاد بناؤه.
ويقرّ الاتحاد الإعلامي بأنه لم يتمكن من التحقق، بصورة مستقلة، من صحة فرضية التمويل الإماراتي. فهو لا ينشر أي فاتورة سُددت نيابة عن المغرب، ولا أي تحويل مصرفي، ولا عقد يثبت توفير البرنامج للمملكة، ولا أي بند تعاقدي يحدد المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني باعتبارها المستفيد النهائي.
والأكثر إحراجا أن موظفا سابقا في شركة NSO Group، إلى جانب مصدر آخر استجوبته التحقيقات من داخل القطاع، أكدا أنهما لا يملكان أي معلومات عن وجود مثل هذا التمويل. كما أن أحد المسؤولين الذين يضعهم التحقيق في صلب هذه الوساطة نفى، من جهته، علمه بأي علاقة تربط الشركة المعنية ببرنامج بيغاسوس أو بالمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.
وهكذا، فإن الفرضية التي تتبناها التحقيقات يجري نفيها أو تجاهلها من قبل عدد من الأشخاص الذين استندت إليهم الحملة نفسها، ومع ذلك تُبقي عليها باعتبارها الإطار التفسيري الرئيسي للرواية.
وينطبق المنطق ذاته على الاسم الرمزي “Morgan”. فهذا الاسم يرد في وثائق تابعة لشركة NSO Group كُشف عنها خلال النزاع القضائي الذي جمع الشركة بتطبيق WhatsApp أمام القضاء الأمريكي. غير أن هذه الوثائق لا تشير، لا من قريب ولا من بعيد، إلى المغرب أو إلى المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.
شهادات مجهولة الهوية
اعتمدت Forbidden Stories على شهادات مجهولة الهوية، وعلى فرضية مفادها أن NSO Group كانت تعتمد نظاما خاصا لتسمية زبنائها، يقوم على أسماء علامات تجارية للسيارات يبدأ حرفها الأول بالحرف نفسه الذي يبدأ به اسم الدولة المعنية. وبذلك، فإن الاسم “Morgan” يبدأ بحرف M، تماما كما تبدأ كلمة Morocco.
وقد تصلح هذه المصادفة لإثارة فرضية تستحق التحقيق، لكنها لا ترقى إلى مستوى الدليل الذي يسمح، من الناحية القانونية، بتحديد هوية الزبون.
فثمة دول عديدة تبدأ بالحرف نفسه، كما أن الوثيقة الأمريكية لا تنص إطلاقا على أن الاسم الرمزي يشير إلى المغرب. ولم يُنشر أي جدول رسمي يربط بين الأسماء الرمزية والأسماء الحقيقية للدول الزبونة، كما لا يوجد أي عقد أو وثيقة تعزز هذا الاستنتاج.
ومع ذلك، تحوّل الحملة هذا التشابه الأبجدي إلى عنصر محوري في عملية إسناد المسؤولية. فالاسم الرمزي يبدو دقيقا، لكن الطريقة التي جرى بها تحديد هوية صاحبه أقل دقة بكثير.
كما تمنح لقطات الشاشة الخاصة بواجهة تشغيل برنامج بيغاسوس الملف مظهرا تقنيا قويا، إذ تتيح للقارئ الاطلاع على لوحة التحكم، والأهداف المحتملة، والوظائف التجسسية التي يوفرها البرنامج.
غير أن هذه الصور لا تعود إلى بنية معلوماتية مغربية، وإنما استُخرجت من وثائق تتعلق ببنما، أو من مستندات قُدمت ضمن الدعوى القضائية الأمريكية ضد NSO Group.
ولا تثبت هذه اللقطات سوى وجود برنامج بيغاسوس، وتوضح الكيفية التي استخدمه بها بعض الزبائن، لكنها لا تثبت أن واجهة مماثلة نُصبت داخل مقرات المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، أو أن موظفا مغربيا استعمل النظام الظاهر في تلك الصور.
كما لا تُظهر أي من هذه اللقطات خادما معلوماتيا مغربيا موثقا، ولا تتضمن أي معرف رقمي يمكن ربطه مباشرة بالمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، ولا تقدم أي سجل عمليات يمكن نسبته إلى المغرب.
وفي هذا السياق، تبدو العناصر التقنية موظفة، بالأساس، لإضفاء ملموسية بصرية على الرواية، أكثر من كونها تقدم دليلا يحدد هوية الجهة التي شغلت البرنامج.
ويظهر المنحى نفسه في الاستناد إلى بيانات قديمة نُسبت إلى عملية اختراق شركة Hacking Team الإيطالية، التي كانت تسوّق برنامج (Remote Control System).
غير أن هذه الأرشيفات لا يمكن تقديمها باعتبارها دليلا على استخدام المغرب لبرنامج RCS. فالمنشورات تستند إلى رسائل إلكترونية ومراجع تجارية لم تخضع، من حيث مصدرها وسلامتها الكاملة وسياقها وتفسيرها، لفحص قضائي حضوري يتيح التأكد من أن إدارة مغربية اقتنت هذا النظام بالفعل، أو قامت بنشره أو استخدامه.
فمجرد ورود اسم شخص، أو جهة اتصال، أو إدارة معينة في مراسلات تجارية، لا يعني أن صفقة قد أُبرمت فعلا. فقد يتعلق الأمر بعملية استكشاف للسوق، أو تواصل أولي، أو عرض لمنتج، أو مراسلات لم تفضِ إلى أي اتفاق.
وحتى على فرض أن بعض الوثائق تثبت وجود علاقة تجارية سابقة بشأن أداة مختلفة، فإنها لا تشكل دليلا على اقتناء المغرب لاحقا لبرنامج بيغاسوس من شركة أخرى. فـRCS وبيغاسوس ليسا المنتج نفسه، ولا يخضعان للعقد نفسه، ولا يعتمدان البنية التكنولوجية ذاتها.
ومع ذلك، تعتمد الحملة على فكرة الاستمرارية الضمنية، إذ تضع جنبا إلى جنب أرشيفات قديمة والاتهامات التي ظهرت سنة 2021، بما يوحي بوجود مسار تكنولوجي متماسك. غير أن هذه الاستمرارية يصنعها السرد، ولا تثبتها سلسلة وثائق مترابطة.
وفي الواقع، تظل مسألة الإسناد التقني للمسؤولية الحلقة الأضعف في هذا الملف.
ففحص هاتف محمول قد يكشف عن مؤشرات ترتبط ببرنامج بيغاسوس، وقد يثبت وجود محاولة استغلال، أو عملية اختراق، أو اتصالات مع بنية معلوماتية معروفة، لكنه لا يحدد، بصورة آلية، الدولة أو الجهة الحكومية التي أمرت بتنفيذ العملية.
وبين اكتشاف أثر تقني وبين نسبته إلى المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، توجد مراحل عديدة لا بد من استيفائها. إذ ينبغي تحديد حساب الزبون الذي استُخدم، وإثبات الجهة التي كانت تتحكم فيه وقت الهجوم، وربط البنية المعلوماتية بكيان مغربي، وتحديد هوية المشغل، وتوثيق أمر الاستهداف، واستبعاد احتمال تدخل طرف ثالث.
بين التحفظ القضائي و”الجزم” الإعلامي
غير أن التحقيق الجديد لا ينجز أيا من هذه المراحل، بل يستعيض عنها باستنتاجات وافتراضات.
وفي هذا السياق، تعترف Franceinfo، الشريك الإعلامي في هذه العملية، بأن المؤشرات التقنية التي جرى تحليلها لا تكفي، من الناحية القضائية، لإسناد مسؤولية الهجمات إلى المغرب. وهو تحفظ يتناقض مباشرة مع درجة اليقين التي توحي بها عناوين الحملة.
كما أن التقرير المتعلق بهاتف وزير الجيوش الفرنسي سيباستيان لوكورنو يشير فقط إلى وجود “مؤشرات على احتمال اختراق”، وإلى “احتمال تعرض الهاتف للاستهداف” على أقل تقدير. غير أن مثل هذه العبارات لا تثبت هوية الجهة الآمرة بالهجوم، ولا تؤكد حصول استخراج فعلي للبيانات، ولا تقيم سلسلة مسؤولية تقود إلى الرباط.
والفارق بين هذه المراحل جوهري. فاحتمال الاستهداف لا يعني بالضرورة وقوع اختراق مؤكد، كما أن ثبوت الاختراق لا يكشف، تلقائيا، عن هوية الجهة التي نفذته. وحتى في حال تحديد البنية التحتية المستخدمة، فإن ذلك لا يفضي بالضرورة إلى معرفة السلطة السياسية التي أصدرت الأمر باستخدامها.
غير أن الحملة تختزل هذه المراحل جميعها في استنتاج واحد. فبمجرد ظهور رقم هاتف في قاعدة البيانات، يُفترض أنه اختير هدفا. وبما أنه اختير، يُستنتج أن هاتف صاحبه تعرض للهجوم. وبما أن آثارا تقنية وُجدت، يُفترض أن الهجوم نجح. وبما أن برنامج بيغاسوس استُخدم، تُنسب المسؤولية مباشرة إلى المغرب.
وهكذا، تضيف كل مرحلة درجة جديدة من اليقين، رغم أن العنصر السابق لا يتضمنها في حد ذاته.
وتكشف بعض التناقضات التي نشرتها وسائل الإعلام الشريكة نفسها عن هشاشة هذا البناء. فقد تبين أن رقمين هاتفيين نُسبا إلى مسؤوليْن جزائريين لم يعودا مستخدمين من قبل صاحبيهما خلال الفترة التي شملها التحقيق. وبالتالي، فإن وجود هذين الرقمين في قاعدة البيانات لا يمكن أن يشكل دليلا على تعرض مالكيهما السابقين للتجسس.
كما تقر Forbidden Stories بأن بعض الأرقام ربما أُدرجت في قاعدة البيانات لأغراض اختبار البرنامج، وأنه لا يمكن تحديد عدد الهواتف التي تعرضت فعليا للاختراق من بين آلاف الأرقام المنسوبة إلى الزبون المفترض.
غير أن هذه التحفظات تتوارى تماما عندما تُختزل القضية في العناوين الصحفية. فتصبح الفرضية حقيقة، ويتحول مجرد اختيار رقم هاتفي إلى عملية اختراق مؤكدة، ثم تتحول عملية الاختراق إلى عملية تنسب مباشرة إلى المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.
ويعزز العدد الكبير من وسائل الإعلام المشاركة في الحملة هذا الإحساس باليقين، بصورة قد توحي بوجود أدلة متطابقة.
فصحف ومؤسسات مثل Le Monde وFranceinfo وEl Confidencial و24 Heures وغيرها، لم تُجر تحقيقات مستقلة انتهت، كل منها على حدة، إلى النتيجة نفسها، بل شاركت جميعها في عمل منسق استند إلى المصدر المركزي نفسه، وإلى قاعدة المعطيات ذاتها، والخبرات التقنية نفسها.
وبالتالي، فهي لا تؤكد بعضها بعضا من خلال أدلة مستقلة، وإنما تضفي زخما إعلاميا على المادة نفسها.
هل كان التوقيت صدفة؟
إن نشر هذه التحقيقات بشكل متزامن يخلق ما يشبه تأثير الكتلة الإعلامية؛ إذ يرى القارئ الاتهام يتكرر في عدد من الصحف، فيظن أنه أمام تقاطع لأدلة مستقلة، بينما يتعلق الأمر، في الواقع، بتقاطع تحريري منظم حول المادة ذاتها.
وعليه، فإن عشر مقالات تستند إلى المصدر نفسه لا تمثل عشر شهادات مستقلة، وإنما عشر قنوات مختلفة لنشر الرواية ذاتها.
وفي هذا السياق، لا يمكن اعتبار اختيار يوم 16 يوليوز 2026 لإطلاق الحملة مجرد صدفة زمنية. فقد تزامن نشرها مع انعقاد الاجتماع رفيع المستوى المغربي-الفرنسي، في الوقت الذي كان فيه الوزير الأول الفرنسي سيباستيان لوكورنو يحل بالرباط على رأس وفد حكومي رفيع.
وكان من المنتظر أن يشكل هذا الاجتماع محطة لتكريس استعادة الزخم في العلاقات بين باريس والرباط، بعد سنوات من التوتر، حيث انصبت المباحثات على ملفات التعاون الاقتصادي، والأمن، وإفريقيا، والاستثمارات، فضلا عن إرساء إطار استراتيجي جديد للشراكة بين البلدين.
وتُدرج Forbidden Stories نفسها هذه الزيارة ضمن سرديتها، إذ تقابل بين اتهامات التجسس والتقارب الفرنسي-المغربي. وبذلك، لا يشكل توقيت النشر مجرد سياق زمني، بل يصبح جزءا من الاستراتيجية التي اعتمدتها الحملة.
فالحملة لا تسعى فقط إلى إثبات فرضية تقنية، بل تهدف أيضا إلى فرض قراءة سياسية لطبيعة العلاقات الثنائية بين باريس والرباط.
ويُقدَّم التقارب بين البلدين على أنه أمر يثير الريبة، وكأن فرنسا أصبحت متساهلة أو ضعيفة، أو مستعدة لغض الطرف عن انتهاك مزعوم لسيادتها. بل إن بعض الآراء التي أوردتها الحملة ذهبت إلى حد الإيحاء بأن التحول الذي شهده الموقف الفرنسي من قضية الصحراء قد يكون مرتبطا بمعلومات جُمعت عبر عمليات تجسس.
ويعد هذا الإيحاء بالغ الخطورة، لأنه لا يستند إلى أي دليل.
فلم يجر تحديد أي معلومة سرية يُفترض أن برنامج بيغاسوس حصل عليها، ولم يصرح أي مسؤول فرنسي بأنه تعرض لابتزاز من جانب المغرب، كما لم تكشف أي وثيقة عن وجود صلة بين عملية مراقبة إلكترونية مزعومة وبين قرار دبلوماسي اتخذته الرئاسة الفرنسية أو الحكومة.
ومع ذلك، يتيح هذا الأمر التشكيك في مشروعية التقارب الفرنسي-المغربي، من دون الحاجة إلى تفسير أسبابه الحقيقية. ففي المقابل، توجد عوامل موضوعية عديدة تفسر تطور الموقف الفرنسي، من بينها استقرار المغرب، وتعاونه الوثيق في مكافحة الإرهاب، ودوره المتنامي في إفريقيا، وإطلالته الأطلسية، وتطور بنياته التحتية، وسياساته في مجال الهجرة، فضلا عن تنويعه لشراكاته الدبلوماسية.
وبذلك، قد تكون باريس قد خلصت ببساطة إلى أن تعزيز علاقاتها مع الرباط يخدم مصالحها الاستراتيجية. غير أن الحملة تفضل الإيحاء بأن فرنسا لم تعد قادرة على اتخاذ قراراتها بحرية واستقلالية.
وفي هذا السياق، تبدو الحملة وكأنها محاولة لإخضاع الدبلوماسية الفرنسية لنوع من الوصاية الإعلامية. فبحسب هذا المنطق، ما دام بعض المنابر الإعلامية قد وجهت اتهامات إلى المغرب سنة 2021، فإن على باريس أن تظل، إلى أجل غير مسمى، أسيرة لهذه الاتهامات في رسم سياستها الخارجية، حتى وإن لم تؤكدها أي جهة قضائية.
غير أن المسار القضائي لا يدعم هذا الحكم الإعلامي.
ففي فرنسا، اعتُبرت دعاوى التشهير التي رفعها المغرب غير مقبولة شكلا، بسبب القواعد القانونية التي تنظم حق الدول الأجنبية في التقاضي بموجب قانون الصحافة الفرنسي. ولم تتطرق المحاكم إلى مدى صحة الاتهامات، كما لم تجر فحصا قضائيا حضوريا للأدلة التي أعلنت Forbidden Stories امتلاكها، ولم تصدر أي حكم يفيد بأن المغرب اقتنى برنامج بيغاسوس.
وعليه، فإن تقديم هذا القرار الإجرائي على أنه هزيمة للمغرب في جوهر القضية يعد أمرا مضللا، لأن القضاء لم يناقش أصلا الأدلة المادية في إطار تلك الدعاوى.
ما لم تستطع المحاكم إثباته…
ما يزال التحقيق الجنائي في فرنسا متواصلا، من دون أن يصدر أي حكم بإدانة مسؤول مغربي، أو أي قرار قضائي يحدد علنا مسؤوليته عن الوقائع موضوع التحقيق.
أما في إسبانيا، فقد أُغلق ملف التحقيق مرة أخرى في 22 يناير 2026. وكان القاضي خوسي لويس كالاما قد أعاد فتح القضية لدراسة معلومات أحالتها السلطات الفرنسية، قبل أن يخلص إلى أنها لا تتضمن أي معطيات جديدة تسمح بتحديد هوية الجهة التي نفذت الهجمات.
وتكتسي هذه النقطة أهمية بالغة، لأن العناصر التي جرى تقديمها في النقاش الإعلامي على أنها أدلة حاسمة لم تمكّن أي هيئة قضائية تمتلك صلاحيات التحقيق من نسبة عمليات الاختراق إلى شخص أو جهاز أو دولة بعينها.
كما أن وزيرة الدفاع الإسبانية، مارغاريتا روبليس، التي كانت من بين ضحايا اختراق هاتفها، رفضت هي الأخرى توجيه الاتهام إلى المغرب في غياب أدلة قاطعة، مؤكدة أن تحديد المسؤولية يظل من اختصاص القضاء.
ولم تخلص لجنة “بيغاسوس” التابعة للبرلمان الأوروبي، بدورها، إلى خبرة قضائية نهائية تُحدد المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني باعتبارها الجهة التي شغّلت البرنامج. فقد اكتفت بتجميع الاتهامات والمؤشرات والتقديرات التي طُرحت في النقاشين الإعلامي والسياسي، دون أن تعثر على الوثيقة الحاسمة المتمثلة في العقد، أو حساب الزبون، أو الأمر التشغيلي الذي يربط البرنامج بالجهة المتهمة.
ومن ثم، تبدو حملة يوليوز 2026 وكأنها تسعى إلى تحقيق عبر السرد الإعلامي ما لم تتمكن الإجراءات القضائية من إثباته عبر التحقيق.
فإذا كان “سفير” يمتلك فعلا معلومات داخلية حاسمة، فلماذا لا تُحال معطياته، في صيغة قابلة للاستغلال القضائي، إلى القضاة الفرنسيين والإسبان؟ ولماذا لا تُعرض أي وثيقة أصلية على الخبرة الفنية؟ ولماذا لا يجري التحقق من هوية المصدر ومساره المهني تحت إشراف القضاء، في إطار يضمن، في الوقت نفسه، حمايته واحترام مبدأ المواجهة بين الأطراف؟
لا يمكن الاكتفاء، في هذا السياق، بالاحتجاج بسرية المصادر. فمن الممكن حماية هوية الشاهد أمام الرأي العام، مع تمكين القضاء، في المقابل، من التحقق من وجوده، وصفته، وقيمة الوثائق التي يدلي بها.
وفي غياب مثل هذه الخطوات، يصبح مطلوبا من الجمهور أن يقبل الرواية برمتها استنادا فقط إلى سلطة الاتحاد الإعلامي. أي أن يصدق أن المصدر موجود بالفعل، وأنه شغل الوظائف التي نُسبت إليه، وأنه كان مطلعا على المعلومات التي يتحدث عنها، وأن أقواله فُسرت بصورة صحيحة.
الرواية تكتمل… والدليل يظل غائبًا
المفارقة أن هذا هو بالضبط ما تقول الحملة إنها ترفضه عندما تحقق في عمل المؤسسات التي تصفها بأنها تعمل في الظل. لكنها تطلب من القارئ، في المقابل، أن يمنحها الثقة المطلقة نفسها التي تمتنع، بحق، عن منحها للمؤسسات التي توجه إليها الاتهامات.
وهكذا، يبقى الملف مطروحا أمام السؤال نفسه الذي أثير سنة 2021: أين هي الوثيقة التي تربط، بصورة مباشرة، برنامج “بيغاسوس” بالمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني؟
فلا الاسم المستعار “سفير”، ولا الاسم الرمزي “Morgan”، ولا فرضية التمويل الإماراتي غير المثبتة، ولا الصور المأخوذة من بنما، ولا الأرشيفات المثيرة للجدل المتعلقة ببرنامج آخر، يمكن أن تحل محل هذا الدليل.
وقد يكون من الممكن جمع هذه العناصر في سردية تبدو متماسكة، لكنها لا تشكل بالضرورة برهانا مكتمل الأركان.
وفي المحصلة، يبدو أن Forbidden Stories نجحت، قبل كل شيء، في تعزيز البناء السردي لروايتها؛ إذ منحت الاتهام وجها مجهول الهوية، وصاغت سيناريو لاقتناء البرنامج عبر وسيط غير مباشر، وربطت وثائق متفرقة ضمن تسلسل زمني واحد، ثم اختارت توقيت نشرها في أكثر اللحظات حساسية بالنسبة للعلاقات الفرنسية-المغربية.
غير أنه كلما ازدادت الرواية ثراء بالتفاصيل، ازدادت معها وضوحا حقيقة غياب الوثيقة المركزية التي يُفترض أن تقوم عليها. فبعد خمس سنوات من التحقيقات، ما تزال لا توجد أي وثيقة منشورة تثبت أن المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني اقتنت برنامج بيغاسوس، أو حصلت على ترخيص باستعماله، أو كانت تتحكم في الحساب المعروف باسم “Morgan”، أو أصدرت أمرا باستهداف هاتف مسؤول فرنسي.
كما أن الآثار التقنية التي يجري الاستناد إليها لا تكفي لإسناد المسؤولية من الناحية القضائية، فيما تتعارض الفرضيات المتعلقة بالتمويل، ويظل المصدر الرئيسي غير قابل للتحقق، ولم تتمكن الإجراءات القضائية، إلى اليوم، من تحديد أي جهة مسؤولة عن هذه العمليات.
وعليه، فإن الحملة الجديدة لا تطوي، في الواقع، ملف “بيغاسوس”، بقدر ما تحاول وضع حد للنقاش الإعلامي حوله عبر تكريس خلاصة جرى تبنيها سلفا.
وتستند فاعلية هذه الحملة إلى ثلاثة عناصر رئيسية: قوة النشر المنسق بين عدد من وسائل الإعلام، والمظهر التقني الذي تضفيه الوثائق على الرواية، ثم اختيار توقيت يضع التقارب بين باريس والرباط تحت وطأة الشكوك.
وقد ينجح هذا الأسلوب في تكوين قناعة لدى الرأي العام، لكنه لا يقدم الدليل الذي لا يزال غائبا عن الملف.
وبعد مرور خمس سنوات، لم تتمكن Forbidden Stories من إثبات أن المغرب استخدم برنامج بيغاسوس، وإنما اكتفت بصياغة طريقة جديدة لتكرار هذا الاتهام.
