كيف لقّنت جدة يامال لقجع درسا في التاريخ… وأحرجت خطابا اختزل الهوية في اسم!

كان يُفترض أن تكون مجرد دعابة عابرة، لكنها تحولت إلى تصريح كشف، أكثر مما أراد صاحبه، عن قراءة سطحية لتاريخ طويل جمع المغرب وإسبانيا عبر قرون. فعندما تساءل فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بنبرة استنكارية: “هل تعرفون إسبانيا اسمه جمال؟”، بدا وكأنه يريد التشبث بخيط يربط النجم الصاعد لامين يامال بالمغرب. لكن السهم عاد إلى الرامي، وأثار نقاشا هوياتيا لم يكن له ما يبرره، متجاهلا حقيقة تاريخية لا تمحوها لعبة الأسماء.
فوراء اسم لامين يامال، تختبئ قصة أكبر بكثير من مجرد اختيار بين منتخبين. إنها حكاية هجرات، وامتزاج ثقافات، وعائلات عبرت الضفتين، وإرث مشترك صنعته قرون من التفاعل بين المغرب وإسبانيا.
ولعل أكثر من اختصر هذه الحقيقة كانت فاطمة، جدة لاعب برشلونة، حين قالت ببساطة قاتلة: “هذا الولد ليس قادما من المغرب، لقد وُلد هنا وترعرع هنا.” جملة قصيرة، لكنها وضعت حدا لكثير من المزايدات.

يامال… هوية متعددة واختيار لا يحتاج إلى وصاية

في التاسعة عشرة من عمره، أصبح لامين يامال أحد أبرز نجوم كرة القدم العالمية. ورغم الضغوط الهائلة التي يعيشها لاعبا في برشلونة والمنتخب الإسباني، فإنه يرى أن أصعب ما في قصته لم يكن أبدا المستطيل الأخضر.
سبق أن قال في برنامج El Larguero: “أمي أنجبتني وهي في السادسة عشرة، تلك هي الضغوط الحقيقية. وأبي كان يكافح بكل ما أوتي ليؤمن لنا لقمة العيش. أما أنا، فكل ما عليّ هو أن ألعب كرة القدم وأُسعد الإسبان.”
بهذه الكلمات، لخّص ابن حي روكافوندا الشعبي بضواحي ماتارو رحلته؛ طفل نشأ في إسبانيا، وتكون كرويا في مدارسها، وصنع حلمه داخل منظومتها الرياضية.
ولم يتنكر يوما لأصوله. فوالده مغربي، ووالدته من غينيا الاستوائية، وهو يعتز بهذا الإرث المزدوج ويُظهره في أكثر من مناسبة. لكن عندما تعلق الأمر بالمنتخب، كان خياره واضحا: إسبانيا، البلد الذي ولد فيه، وكبر فيه، وتلقى فيه تكوينه الكروي.

الجدة تضع النقاط على الحروف

أمام انتقادات بعض الجماهير المغربية التي لم تستسغ اختياره “لا روخا”، خرجت جدته فاطمة، في تصريح لقناة Antena 3، لتقول ما بدا أنه نهاية الجدل: “هذا الولد ليس آتيا من المغرب، لقد ولد هنا وكبر هنا. ابني منير لم يفرض عليه شيئا. لعب حيث أراد.”
رسالة واضحة لا تحتمل التأويل: قرار لامين لم يكن نتيجة ضغط عائلي ولا مؤامرة كروية، بل ثمرة مسار طبيعي لطفل نشأ داخل البيئة الإسبانية، وتدرج في جميع فئاتها السنية قبل أن يصل إلى المنتخب الأول.
ربما كانت أكثر ما كشفته عبارة لقجع، أنها تعاملت مع التاريخ وكأنه دفتر للحالة المدنية. وكأن اسما عربيا لا يمكن أن يكون جزءا من المشهد الإسباني.
والحال أن العلاقة بين المغرب وإسبانيا ليست وليدة مباريات كرة القدم ولا ملفات التجنيس الرياضي، بل تمتد إلى قرون من التبادل البشري والثقافي.
في شمال المغرب وحده، لا تزال أسماء عائلات ذات أصول إسبانية حاضرة إلى اليوم، كما أن التاريخ الإسباني نفسه يحمل آثارا عميقة للحضور العربي والأمازيغي في شبه الجزيرة الإيبيرية. ولذلك، فإن اختزال الهوية في اسم أو لقب لا يعكس سوى جهل بتاريخ أكثر ثراء وتعقيدا.
فالبحر الأبيض المتوسط لم يكن يوما جدارا إسمنتيا يفصل بين الشعوب، بل كان معبرا للحضارات، وللناس، وللأسماء أيضا.

دفاع عن المغرب… أم صناعة جدل مجاني؟

يمكن تفهم رغبة فوزي لقجع في التذكير بجذور لامين يامال المغربية، فالكثير من أبناء الجالية يحتفظون بروابط وجدانية مع بلد آبائهم.
لكن تحويل قصة شخصية إلى معركة رمزية بين دولتين لم يكن أكثر القرارات حكمة.
لامين يامال ليس كأسا ضائعة ينبغي استعادتها، ولا غنيمة في سباق بين المنتخبات. إنه ابن تجربة إنسانية معقدة، تجمع أكثر من انتماء، وأكثر من ذاكرة، وأكثر من وطن.
وأفضل طريقة للاعتزاز بأصوله المغربية ليست التشكيك في اختياره الرياضي، بل الاعتراف بأن الإنسان يستطيع أن يكون وفيا لجذوره، دون أن يتخلى عن البلد الذي ولد فيه وصنع مستقبله.
في النهاية، لم تحتج فاطمة إلى خطب طويلة ولا إلى شعارات وطنية. اكتفت بجملة واحدة: “لقد ولد هنا وكبر هنا.”
جملة بدت، في بساطتها، أكثر حكمة من كل السجالات التي أثيرت حول هوية حفيدها.
فالهوية ليست مباراة تُحسم بالأهداف، ولا مزادا للمزايدة الوطنية، ولا امتحانا في الأسماء والألقاب. إنها تراكم حياة كاملة، وجذور لا تُقتلع، ومسارات لا يمكن إنكارها.
ولعل هذا هو الدرس الذي كان يجدر ببعض المسؤولين استيعابه، قبل أن يحولوا قصة نجاح شاب موهوب إلى معركة هوية لا رابح فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *