تصعيد غير مسبوق في أزمة المحامين ووزير العدل… هل يصبح التحكيم الملكي المخرج الأخير؟

دخلت المواجهة بين المحامين المغاربة ووزير العدل، عبد اللطيف وهبي، مرحلة من التوتر غير المسبوق. فبعد فشل جميع محاولات التقارب، بما في ذلك الوساطة الهادئة التي قادها رئيس الحكومة عزيز أخنوش، تشبث كل طرف بموقفه، إلى درجة بات معها سؤال يتردد بقوة داخل أوساط هيئات المحامين: هل أصبح اللجوء إلى التحكيم الملكي الحل الأخير لإنهاء الأزمة؟
ويعكس إعلان جمعية هيئات المحامين بالمغرب استمرار الإضراب الشامل للشهر الثالث على التوالي حجم القطيعة بين الطرفين، إذ لم تعد تلوح في الأفق أي مؤشرات على انفراج قريب. ويواصل المحامون تعليق جميع أنشطتهم المهنية، بما في ذلك خدمات المساعدة القضائية، في حين تعتبر الحكومة أنها استكملت المسار التشريعي بإحالة مشروع القانون على المحكمة الدستورية.
ومنذ أشهر، تبدو اللقاءات بين وزارة العدل وممثلي هيئات المحامين أقرب إلى حوار طرشان منها إلى مفاوضات حقيقية. ويؤكد المحامون أن مشروع القانون أُعد من دون تشاور فعلي معهم، ويرون أنه يمس مبادئ يعتبرونها غير قابلة للتفاوض، وفي مقدمتها استقلالية مهنة المحاماة، واستقلال هيئاتها، وصلاحياتها المؤسساتية.
في المقابل، ترفض وزارة العدل إعادة فتح ورش تعتبره قد بلغ مراحله النهائية، وترى في إحالة المشروع على المحكمة الدستورية تأكيدا لعزم الحكومة المضي قدما في إصلاحها. وهكذا، يتمسك كل طرف بموقفه، من دون أي بوادر للتراجع.
وبحسب مصادر متطابقة، حاول رئيس الحكومة عزيز أخنوش خلال الأسابيع الأخيرة تقريب وجهات النظر بين الجانبين، تفاديا لتحول الخلاف إلى أزمة مؤسساتية طويلة الأمد، غير أن هذه المبادرة لم تسفر عن أي نتائج ملموسة. إذ لم يوافق ممثلو المحامين على تعليق إضرابهم، كما لم تقدم وزارة العدل أي إشارات توحي باستعدادها لتقديم تنازلات جوهرية.
وأدى هذا الإخفاق إلى تعزيز قناعة داخل عدد من هيئات المحامين بأن القنوات السياسية التقليدية استنفدت إمكاناتها، ولم تعد قادرة على إيجاد مخرج للأزمة.
وفي عدد من الأوساط المهنية، بدأ يُتداول بشكل علني خيار اللجوء إلى التحكيم الملكي. وتدعو بعض الأصوات إلى رفع مذكرة إلى الديوان الملكي تتضمن انشغالات المهنة، مع طلب تدخل يتيح الخروج من أزمة باتت تهدد السير العادي لمرفق العدالة.
غير أن هذا الطرح لا يزال، إلى حدود الآن، مجرد مبادرة يجري تداولها داخل بعض الأوساط المهنية، ولم تتحول بعد إلى خطوة رسمية تبنتها جمعية هيئات المحامين بالمغرب.

ومع ذلك، يبين التاريخ المؤسساتي للمملكة أن الدعوات إلى التحكيم الملكي تظهر باستمرار كلما وصلت أزمات كبرى تمس قطاعات استراتيجية أو مهنا منظمة إلى طريق مسدود، باعتباره آلية أخيرة لتجاوز حالات الانسداد.
ولم تعد تداعيات الأزمة تقتصر على الخلاف المهني، بل امتدت إلى حسن سير مرفق العدالة نفسه، إذ أدى استمرار تعليق الجلسات والمرافعات، ولا سيما خدمات المساعدة القضائية، إلى الإضرار مباشرة بالفئات الأكثر هشاشة، التي أصبحت محرومة من حق الدفاع في العديد من القضايا.
كما يؤدي كل أسبوع إضافي من الإضراب إلى زيادة الضغط على المحاكم، وتفاقم تراكم الملفات والإجراءات القضائية المؤجلة.
ولا تبدو إحالة مشروع القانون على المحكمة الدستورية كافية لإنهاء الخلاف السياسي والمهني بين الطرفين. فحتى إذا أقرت المحكمة دستورية المشروع، فإن ذلك لا يعني بالضرورة وضع حد للاحتجاج، إذ قد يستمر على المستويين النقابي والمؤسساتي.
في النهاية، لم يعد جوهر الأزمة يقتصر على مضمون مشروع إصلاحي، بل أصبح يتعلق بمدى الثقة بين وزارة العدل ومهنة تعتبر نفسها أحد الأعمدة الأساسية لدولة الحق والقانون.
ومع استمرار تعثر الحوار، يزداد اقتناع كثيرين بأن حل الأزمة يبتعد تدريجيا عن آليات التفاوض التقليدية. وفي أروقة هيئات المحامين، كما داخل الأوساط القضائية، يتردد السؤال نفسه بإلحاح: هل سيكون التحكيم الملكي في نهاية المطاف السبيل الوحيد لإنهاء أزمة عجزت الوساطات السياسية والمناقشات المؤسساتية عن حلها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *