في الجزائر، هناك صورتان للمنظومة الصحية. الأولى رسمية، تُقدَّم للمواطن باعتبارها منظومة متطورة، قادرة على الاستجابة لحاجاته، بل إن الرئيس عبد المجيد تبون ذهب إلى حد وصفها بأنها الأفضل في إفريقيا والشرق الأوسط. والثانية تظهر في لحظات المرض الحقيقي، عندما يتعلق الأمر بأصحاب القرار أنفسهم: عندها تتغير الجغرافيا، ويصبح المستشفى الأوروبي خيارا مفضلا.
آخر فصول هذه المفارقة جاء مع وفاة بوعلام بوعلام، مدير ديوان رئاسة الجمهورية وأحد أقرب معاوني الرئيس تبون. فقد أعلنت الرئاسة الجزائرية، في 5 أكتوبر، وفاته في مستشفى بجنيف، حيث كان يتلقى العلاج من مرض عضال. ولم تكن سويسرا مجرد محطة علاج عابرة، فقد كانت المكان الذي قضى فيه المسؤول الجزائري أيامه الأخيرة.
مرة أخرى، لا يتعلق الأمر بمناقشة حق أي إنسان في اختيار الطبيب أو المستشفى الذي يثق به، ولا بتوجيه اللوم إلى رجل كان يصارع مرضا عضالا. المسألة سياسية بامتياز: كيف يمكن لنخبة سياسية أن تدافع عن جودة منظومة صحية وطنية، بينما يختار بعض كبار رموزها، عند الحاجة، مؤسسات علاجية خارج البلاد؟
وهنا تصبح حالة بوعلام بوعلام أكثر دلالة لأنها ليست حالة مواطن عادي. الرجل كان يشغل واحدا من أكثر المناصب حساسية في الدولة الجزائرية، وكان جزءا من الدائرة القريبة من الرئيس. وقد ظل حاضرا في أنشطة الرئاسة حتى بداية سنة 2026.
والمفارقة لا تتوقف عنده. فقد عولج تبون نفسه في ألمانيا خلال إصابته بكوفيد-19 سنة 2020، قبل أن يعود إلى ألمانيا سنة 2021 لاستكمال العلاج. وهنا يصبح السؤال أوسع من حالة فردية: هل الثقة في المنظومة الصحية الجزائرية خطاب موجه إلى المواطنين، أم أنها أيضا قناعة راسخة لدى من يديرون البلاد؟
ليس المطلوب أن يرفض المسؤول العلاج في الخارج، فهذا سيكون تبسيطا غير منصف. الدول المتقدمة نفسها يستفيد مسؤولوها من مؤسسات طبية خارج حدودها عندما تتطلب الحالة ذلك. لكن المشكلة تظهر عندما يكون الخطاب السياسي شديد الثقة في قدرة النظام الوطني، بينما تكشف اختيارات المسؤولين في حياتهم الخاصة عن ثقة مختلفة.
هناك، إذن، فجوة تستحق النقاش بين ما تقوله السلطة عن الدولة وما تفعله عندما تواجه الدولة امتحان المرض.
فالمواطن الجزائري الذي ينتظر موعدا للفحص، أو يبحث عن دواء، أو يقف في طابور مستشفى، لا يعيش المؤشرات والأرقام الرسمية. إنه يعيش التجربة اليومية. وعندما يرى أن المسؤول الذي يتحدث عن قوة النظام الصحي يستطيع، بمجرد أن يمرض، أن يتجه إلى جنيف أو ألمانيا، فمن الطبيعي أن يسأل: إذا كانت مستشفياتنا قادرة على تقديم أفضل الخدمات، فلماذا لا تكون هي الخيار الأول لمن يعرف إمكاناتها أكثر من غيره؟
بوعلام بوعلام ذهب في جنيف، وعاد إلى الجزائر في تابوت. ولا ينبغي أن تتحول وفاته إلى مادة للتشفي. لكنها، سياسيا، تفتح سؤالا مشروعا حول الثقة في الخدمات العمومية: هل تكون الدولة قوية فقط عندما تتحدث عن مؤسساتها، أم عندما يثق بها مسؤولوها أيضا في أكثر اللحظات حساسية؟
ربما لا تكمن المفارقة في أن يموت مسؤول جزائري في مستشفى سويسري، وإنما في أن المواطن يسمع طوال الوقت أن منظومته الصحية من الأفضل، ثم يرى نخبة الحكم تبحث، عندما يحين وقت الاختيار، عن أفضل علاج خارج الحدود.
وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجا من أي خطاب سياسي: من يثق فعلا في المنظومة الصحية الجزائرية؟
