علمت “مغرب-أنتليجونس”، من مصدر موثوق، أن السفير الفرنسي السابق لدى الجزائر، كزافيي دريانكور، سيحل بالمغرب الأسبوع المقبل للترويج لكتابه الجديد «دبلوماسية من دون دبلوماسيين»، الصادر حديثا عن دار «سالفاتور» الفرنسية، في 15 أكتوبر الجاري. ويقدم الدبلوماسي المخضرم، الذي أمضى نحو أربعة عقود في العمل الدبلوماسي وشغل منصب سفير فرنسا لدى الجزائر مرتين، قراءة نقدية لمسار الدبلوماسية الفرنسية خلال عهد الرئيس إيمانويل ماكرون، واضعا الأزمة الجزائرية-الفرنسية في صلب تشخيصه لما يعتبره تراجعا في أداء الدبلوماسية الفرنسية.
ويحمل الكتاب، الواقع في 264 صفحة، عنوانا مستوحى من مقولة منسوبة إلى المستشار الألماني أوتو فون بسمارك، مفادها أن «دبلوماسية من دون دبلوماسيين» تشبه موسيقى من دون آلات. ومن خلال استعادة تجربته المهنية وذكرياته في السلك الدبلوماسي، ينتقد دريانكور ما يعتبره إضعافا للمهنة الدبلوماسية الفرنسية، خصوصا بعد إلغاء السلك الدبلوماسي واستبداله بهيئة موحدة من الإداريين، في إطار إصلاحات يرى أنها أضعفت الخبرة المتخصصة في صناعة القرار الخارجي.
وتحظى الجزائر بموقع بارز في الكتاب، ليس فقط باعتبارها إحدى أهم محطات المسار المهني لدريانكور، ولكن أيضا باعتبارها، في نظره، نموذجا مكثفا للمشكلات التي أصابت الدبلوماسية الفرنسية في عهد ماكرون. ويصف الدبلوماسي السابق طريقة إدارة الأزمة بين باريس والجزائر بأنها نموذج لما يسميه «دبلوماسية التذبذب»، القائمة على التنقل بين رسائل متناقضة، وزيارات متبادلة، وتصريحات عالية السقف، ثم تنازلات لا تفضي، بحسب تقييمه، إلى نتائج ملموسة.
وفي مقابلة حديثة حول كتابه، قال دريانكور إن السياسة الفرنسية تجاه الجزائر تمثل، في نظره، «دبلوماسية الاستعراض»، منتقدا ما وصفه بـ«دبلوماسية العناق» القائمة على الرحلات المتكررة والتنازلات والانتقادات العلنية المتعاقبة. ويرى أن هذا الأسلوب تجاهل طبيعة النظام الجزائري القائم، بحسب قراءته، على الاستمرارية والعمل وفق «الزمن الطويل»، مقابل تقلب المواقف الفرنسية.
الجزائر.. الاختبار الأصعب لدبلوماسية ماكرون
يخصص دريانكور جزءا مهما من انتقاداته للأزمة الجزائرية-الفرنسية الأخيرة، معتبرا أن باريس لم تتمكن من فرض إيقاعها على الأزمة، في وقت نجحت فيه الجزائر، وفق تقييمه، في الاستفادة من عامل الوقت ومن التناقضات داخل الموقف الفرنسي.
ويستند الدبلوماسي السابق إلى ملفات عدة لتدعيم أطروحته، من بينها قضية الكاتب الفرنسي-الجزائري بوعلام صنصال، والصحافي الفرنسي كريستوف غليز، وملف أوامر مغادرة التراب الفرنسي، فضلا عن قضية الهجرة والعلاقة المتوترة حول اتفاق عام 1968.
وفي هذا السياق، يضع دريانكور في مواجهة بين خطين داخل السياسة الفرنسية تجاه الجزائر: خط أكثر تشددا ارتبط، في قراءته، بوزير الداخلية السابق برونو روتايو، وخط حكومي آخر يقوم على الحوار والتنازلات. ويرى أن المقارنة بين المسارين تكشف، بحسبه، محدودية سياسة «العناق» والتنازلات، مقابل ما يعتبره نتائج أكثر وضوحا للضغط السياسي.
ويستشهد تحديدا بالإفراج عن بوعلام صنصال، الذي يربطه بالخط الأكثر حزما، في مقابل استمرار قضية كريستوف غليز، وتعثر تنفيذ قرارات ترحيل مواطنين جزائريين صدرت بحقهم أوامر بمغادرة فرنسا.
انتقاد للتعيينات السياسية
لا يتوقف نقد دريانكور عند إدارة الأزمة مع الجزائر، إذ يربطها بمشكلة أوسع تتعلق، في رأيه، بتسييس الدبلوماسية الفرنسية وتراجع دور الخبراء المتخصصين في صناعة القرار.
ويعتبر السفير السابق أن إلغاء السلك الدبلوماسي أفضى إلى نظام يمكن فيه، وفق تعبيره، أن ينتقل المسؤول الإداري بين وظائف مختلفة وصولا إلى منصب سفير، من دون أن تكون الخبرة الدبلوماسية المتخصصة شرطا أساسيا. كما ينتقد ما يصفه بتنامي التعيينات السياسية، معتبرا أن ذلك يضعف قدرة الدبلوماسيين على تقديم قراءة مستقلة للملفات الدولية.
ويقول دريانكور إن وظيفة السفير لا تتمثل في قول ما تريد الحكومة سماعه، وإنما في «الشرح والاستباق» وتقديم قراءة مهنية حتى عندما تكون مخالفة للتوجه السياسي السائد. ويكشف في هذا السياق أنه سبق له، خلال وجوده في الجزائر، أن كتب داخل الإدارة الفرنسية داعيا إلى مراجعة سياسة التأشيرات والاتفاق الفرنسي-الجزائري لعام 1968، لكنه أصبح أكثر قدرة على الحديث علنا عن هذه المواقف بعد مغادرته منصبه.
“دبلوماسية الصمت” بدل سياسة الحزم
ومن أبرز الأفكار التي يدافع عنها دريانكور في كتابه ضرورة العودة إلى ما يسميه “دبلوماسية الصمت”. والمقصود، وفق شرحه، تقليص الإعلانات المسبقة والضجيج الإعلامي المحيط بالقرارات الخارجية، والعمل بهدوء قبل الإعلان عن النتائج.
كما يدعو إلى اعتماد سياسة خارجية أكثر استمرارية، بعيدا عن «التعرجات» وتغيير المواقف، والاستماع بصورة أكبر إلى الدبلوماسيين والخبراء قبل اتخاذ القرارات.
وبالنسبة إلى الجزائر تحديدا، يرى أن فرنسا تحتاج إلى خط واضح وطويل النفس، بدلا من الانتقال بين التشدد والانفتاح والتنازلات، معتبرا أن التجربة الأخيرة أظهرت، من وجهة نظره، كلفة غياب الاستمرارية في السياسة الخارجية.
مساحة إضافية للنقاش
يقدم الكتاب، الذي صدرت مقدمته بقلم الكاتب الفرنسي من أصل جزائري بوعلام صنصال، نفسه في الأساس بوصفه حصيلة أربعة عقود من التجربة الدبلوماسية، وليس مجرد كتاب في العلاقات الفرنسية-الجزائرية. فالمؤلف يقول إنه بدأ المشروع باعتباره استعادة لذكرياته المهنية، قبل أن يتحول تدريجيا إلى نقد لطريقة إدارة السياسة الخارجية الفرنسية ولإلغاء السلك الدبلوماسي.
وبينما تحضر الجزائر بقوة في صفحات «دبلوماسية من دون دبلوماسيين»، فإن الرسالة الأوسع للكتاب تتجاوز العلاقات الجزائرية-الفرنسية: دريانكور يرى أن فرنسا فقدت جزءا من أدواتها التقليدية في إدارة علاقاتها الدولية، وأن استعادة نفوذها تمر، قبل كل شيء، عبر إعادة الاعتبار للخبرة الدبلوماسية، والاستماع إلى المختصين، واعتماد سياسة خارجية أكثر هدوءا واستمرارية.
ومن المنتظر أن تمنح زيارة دريانكور المرتقبة إلى المغرب، في ظل استمرار حساسية الملف الجزائري-الفرنسي وتشابكه مع قضية الصحراء والعلاقات الفرنسية-المغاربية، كتابه الجديد مساحة إضافية للنقاش، خصوصا أن الجزائر تشكل أحد أكثر الملفات حضورا في تجربته وفي انتقاداته للسياسة الخارجية الفرنسية الراهنة.
