واشنطن تراهن على الرباط.. المغرب في طريقه ليصبح الشريك العسكري الأول للولايات المتحدة في إفريقيا

بينما يظل اهتمام العالم منصبّا على حروب الشرق الأوسط، يجري على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي تحوّل استراتيجي كبير قد يعيد رسم موازين القوى في إفريقيا. ففي أروقة الكونغرس الأمريكي، تستعد واشنطن بهدوء لإطلاق ما قد يصبح أحد أهم الشراكات العسكرية في القارة الإفريقية، عبر تحويل المغرب إلى الحليف الأمني الأول للولايات المتحدة في إفريقيا.
وقد مرّ هذا التطور دون ضجيج يُذكر، رغم أن المادة 1268 من مشروع قانون تفويض الدفاع الأمريكي لسنة 2027 تمثل منعطفا تاريخيا في العلاقات العسكرية بين الرباط وواشنطن. إذ تلزم هذه المادة وزارة الدفاع الأمريكية بإعداد خارطة طريق تمتد لعشر سنوات، بهدف تعزيز القدرات العسكرية المغربية وترسيخ مكانة المملكة كركيزة أساسية للاستراتيجية الأمريكية الممتدة بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط ومنطقة الساحل.
وراء الصياغة التشريعية التقنية يبرز واقع جيوسياسي أكثر عمقا؛ فالولايات المتحدة باتت تنظر إلى المغرب باعتباره الشريك الأكثر موثوقية في قارة شهد فيها النفوذ الأمريكي تراجعا ملحوظا، خاصة بعد الانقلابات المتتالية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، إلى جانب تنامي الحضور الروسي والإيراني في المنطقة.
وفي ظل التآكل التدريجي لمنظومتها الأمنية بغرب إفريقيا، تبحث واشنطن عن مركز ثقل جديد يمكنه ضمان مصالحها الاستراتيجية، ويبدو أن اختيارها استقر بوضوح على المغرب.
ويتضمن المشروع الأمريكي تحديث عدد من البنيات التحتية العسكرية المغربية، وإعادة تأهيل مطارات استراتيجية قديمة، وتطوير قدرات لوجستية جديدة، فضلا عن إنشاء مواقع للتعاون الأمني قادرة على دعم عمليات الانتشار السريع نحو منطقة الساحل والمجالات البحرية ذات الأهمية الاستراتيجية.
والأكثر دلالة أن النص يقترح إنشاء مركز مرجعي بالمغرب متخصص في حرب الطائرات المسيّرة ومواجهة الطائرات بدون طيار، في اعتراف ضمني بالتقدم الذي حققته القوات المسلحة الملكية خلال السنوات الأخيرة في إدماج التكنولوجيات العسكرية الحديثة.
فمنذ سنوات، شرعت الرباط في تحديث متسارع لترسانتها الدفاعية، عبر اقتناء أنظمة متطورة للدفاع الجوي وطائرات استطلاع مسيّرة وتجهيزات للحرب الإلكترونية. ومع الدعم الأمريكي المرتقب، قد تنتقل هذه الدينامية إلى مستوى جديد يجعل من المملكة منصة إقليمية للابتكار العسكري.
كما لم تعد الشراكة بين البلدين تقتصر على المناورات التقليدية. فتمرين “الأسد الإفريقي”، الذي يُعد أكبر تدريب عسكري في القارة، مرشح لأن يشمل بشكل أوسع مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والحرب الإلكترونية والعمليات البحرية المتقدمة.
ويؤكد هذا التطور توجها استراتيجيا متناميا مفاده أن العلاقات المغربية الأمريكية تجاوزت إطار التعاون العسكري التقليدي، لتدخل مرحلة من البناء المشترك لرؤية أمنية طويلة الأمد.
وبالنسبة لواشنطن، يتمتع المغرب بمزايا حاسمة تتمثل في الاستقرار السياسي، والموقع الجغرافي الفريد، والبنيات التحتية الحديثة، والانخراط المتزايد في العمق الإفريقي. أما بالنسبة للرباط، فإن هذا التقارب يتيح لها الوصول إلى أحدث التكنولوجيات العسكرية ويعزز الاعتراف الدولي بدورها كقوة إقليمية صاعدة.
ويأتي هذا التقارب في سياق إقليمي يتسم باستمرار التوترات في منطقة الساحل وتنامي التهديدات الهجينة، خصوصا مع تزايد استخدام الطائرات المسيّرة من قبل الجماعات المسلحة والجهات غير الحكومية.
ومن خلال هذه الخطة العشرية، توجه الولايات المتحدة رسالة واضحة مفادها أن المغرب لم يعد مجرد حليف تاريخي، بل أصبح تدريجيا أحد الأعمدة الرئيسية لمنظومتها الاستراتيجية في إفريقيا.
ولعل التعاون الثنائي بين الرباط وواشنطن لم يبلغ منذ الاتفاقيات العسكرية الموقعة خلال القرن الماضي هذا المستوى من الطموح. وإذا ما حظي المشروع بالمصادقة النهائية داخل الكونغرس، فقد تدخل المملكة مرحلة جديدة من النفوذ الأمني والعسكري، تتيح لها وضعا غير مسبوق باعتبارها الشريك الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة في القارة الإفريقية.
إنها محطة جيوسياسية بارزة تؤكد أن المغرب لم يعد، في الحسابات الأمريكية، مجرد حليف موثوق، بل تحول إلى فاعل لا غنى عنه في معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *