ضيعنا الوقت..قبل واقعة سبتة.. متى نبدأ ..

أعود اليوم إلى مسرحيتي «إمتى نبداو بالصح»، التي كتبتها سنة 2012، لا لأدافع عنها، ولا لأحتفي بها، بل لأحاكمها أمام واقع لم أكن أتمنى أن يأتي بهذه القسوة.
عندما كتبت النص لم أكن أكتب عن سبتة، ولم أكن أكتب عن موجات الهجرة الجماعية، ولم أكن أتوقع أن يصبح البحر. بعد سنوات، مرآةً يوميةً لخيبات جيل كامل. كنت أكتب عن شيء أبسط وأخطر في آن واحد: عن الإنسان عندما يفقد مكانه في وطنه.
في المسرحية، تعمل حليمة وهشومة ليلًا داخل معمل معزول، بعيدًا عن أعين الناس وبتواطؤ مع الحارس الليلي. تخيطان ملابس لا تحمل اسميهما، وتنتجان قيمة يتقاسمانها مع الحارس الليلي .وتُسرق أفكارهما كما يُسرق تعبهما. لا تطلبان المستحيل؛ تطلبان فقط أن تعيشا بكرامة، وأن يكون للعمل معنى.
ولذلك، لم يكن البحر بطل المسرحية.
كان البطل الحقيقي هو انسداد الأفق.
اليوم، ونحن نشاهد ما وقع في سبتة، لا أرى مجرد شباب يحاول العبور إلى الضفة الأخرى، بل أرى سؤال المسرحية يعود إلينا بصوت أعلى: متى نبدأ حقًا؟
المشكلة ليست في البحر، ولا في الحدود، ولا في أوروبا.
المشكلة تبدأ عندما يشعر الشاب بأن مجهوده كما أنه ولد في الظلام لن يغيّر شيئًا، وأن مستقبله لا تحدده كفاءته، بل تحدده شبكة من الامتيازات والعلاقات والوساطات.
في تلك اللحظة، يصبح البحر أقل قسوة من اليابسة.
لقد اعتدنا، لسنوات طويلة، أن نتحدث عن الهجرة باعتبارها حلمًا أوروبيًا. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا.
فليس كل من يهاجر مفتونًا بأوروبا، بل إن كثيرين يهربون أولًا من الإحساس بالعجز داخل أوطانهم.
وهنا يكمن الفرق.
فأوروبا لم تصبح مقصدًا لأنها أكثر جمالًا، بل لأنها نجحت، بدرجات متفاوتة، في بناء مؤسسات، واحترام القانون، وربط الجهد بالاستحقاق، والاستثمار في الإنسان.
أما نحن، فما زلنا، في كثير من الأحيان، نطبع مع الفساد وكأنه قدر لا يُقاوم.
تطبعنا مع الرشوة.
ومع المحسوبية.
ومع اقتصاد الريع.
ومع سرقة الأفكار.
ومع احتقار الكفاءة.
ومع تحويل القانون، أحيانًا، من أداة للعدالة إلى أداة للانتقاء.
وهنا أتوقف أمام مشهد من المسرحية ظل يطاردني سنوات طويلة.
العاملتان تكتشفان أن التصاميم التي خاطتاها في الظلام أصبحت تُعرض في وسائل الإعلام باسم ابنة صاحب المعمل، ويُحتفى بها باعتبارها إبداعًا جديدًا.
في تلك اللحظة لا تُسرق الملابس فقط.
بل تُسرق القيمة.
ويُسرق الاعتراف.
ويُسرق المستقبل.
أليست هذه، بأشكال مختلفة، واحدة من أزماتنا الكبرى؟
إن أخطر أنواع الفساد ليس فقط سرقة المال العام، بل سرقة إيمان الإنسان بأن العمل يمكن أن يغيّر مصيره.
وعندما يُسرق هذا الإيمان، لا يعود البحر مخيفًا.
بل يصبح احتمالًا.
لهذا، لا أعتقد أن الجواب الحقيقي على ما وقع في سبتة هو المزيد من الخطب، أو المزيد من الشعارات، أو الاكتفاء بالمقاربات الأمنية.
الجواب يبدأ من هنا.
من الاستثمار في المغرب.
لكن ليس أي استثمار.
بل الاستثمار الذي يخلق قيمة حقيقية، ويمنح الشباب فرصة للإبداع والإنتاج بعيدا عن مثل شعار الصناعة الثقافية . ويجعل القانون يحمي المبادرة بدل أن يعرقلها.
الاستثمار في الصناعة.
وفي الفلاحة.
وفي التكنولوجيا.
وفي الثقافة، لأنها أيضًا اقتصاد.
وفي المدرسة والجامعة، لأنهما مصنع الثقة قبل أن يكونا مصنع الشهادات.
طبعا المغرب يحتاج إلى مشاريع كبرى.
وب القدر نفسه يحتاج إلى مشروع أخلاقي يعيد الاعتبار للعمل، وللكفاءة، ولتكافؤ الفرص.
لقد علمتني «إمتى نبداو بالصح» شيئًا لم أكن أدركه وأنا أكتبها.
أن الهجرة ليست قرارًا يبدأ عند البحر.
إنها تبدأ قبل ذلك بكثير…
تبدأ عندما يشعر الإنسان بأنه أصبح غريبًا داخل وطنه.
لكنها يمكن أن تتوقف أيضًا قبل البحر.
إذا استطعنا أن نجعل الوطن مكانًا يستحق أن تُبنى فيه الأحلام.
اليوم، وبعد أربعة عشر عامًا، لا أغير سؤال المسرحية.
بل أكرره بإلحاح أكبر:
متى نبدأ حقًا؟
نبدأ عندما نكسر الحلقة التي طبّعتنا مع الفساد حتى أصبح مألوفًا.
نبدأ عندما يصبح النجاح نتيجة للعمل لا للولاءات.
نبدأ عندما يشعر الشاب أن مجهوده لن يُسرق، وأن صوته لن يُهمَّش، وأن كرامته ليست امتيازًا يمنحه أحد.
حينها فقط…
لن يكون البحر طريقًا للخلاص.
بل سيكون مجرد أفق جميل، ينظر إليه المغاربة من شواطئ لوطنٍ اختاروا أن يبنوه، لا أن يهربوا منه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *