في الجزائر، يبدو أن بعض وسائل الإعلام استعجلت إعلان وفاة الخطوط الملكية المغربية (لارام) في السوق النيجيرية. فمن يقرأ عناوينها قد يعتقد أن الشركة المغربية على وشك التعرض للإيقاف، وأن الخطوط الجوية الجزائرية تستعد لقطف الثمار وتحويل الجزائر إلى الوجهة المفضلة للمسافرين النيجيريين.
رواية جذابة دعائياً، لكنها بعيدة كل البعد عن الواقع الذي تحكمه الأرقام وقواعد صناعة النقل الجوي في إفريقيا.
صحيح أن مايكل أشيموغو، أحد مسؤولي هيئة الطيران المدني النيجيرية، وجّه انتقادات علنية إلى الخطوط الملكية المغربية بشأن تدبير الأمتعة ومعالجة بعض شكاوى المسافرين، بل ولوّح بإمكانية تعليق نشاطها. لكن الانتقال من هذه التصريحات إلى تقديم الخطوط الجوية الجزائرية كبديل جاهز لا يبدو سوى قفزة لا تجرؤ عليها إلا بعض غرف التحرير في الجزائر.
غير أن المعطيات التي توصل إليها ” مغرب-أنتلجونس” ترسم صورة مختلفة تماماً.
فالخطوط الجوية الجزائرية تؤمن بالفعل رحلات إلى العاصمة النيجيرية أبوجا منذ أبريل 2025، لكن هذا الخط لا يشكل منافساً مباشراً للخطوط الملكية المغربية، إذ يُشغَّل عبر محطة توقف في مدينة دوالا بالكاميرون، وبمعدل رحلتين فقط في الأسبوع. وعملياً، فإن ما هو متاح فعلاً للسوق النيجيرية يعادل رحلة ذهاب وإياب واحدة أسبوعياً.
أما الخطوط الملكية المغربية فتعمل في مستوى مختلف تماماً.
فهي تؤمن رحلتين مباشرتين يومياً بين الدار البيضاء ولاغوس، إضافة إلى رحلة مباشرة يومية بين الدار البيضاء وأبوجا، أي ما مجموعه 21 رحلة مباشرة أسبوعياً تربط المغرب بأهم مطارين في نيجيريا.
الفارق هنا ليس بسيطاً… بل شاسع إلى حد يصعب تجاهله.
والأهم من ذلك أن نموذج عمل الشركتين يختلف جذرياً.
فبحسب المعلومات التي نشرها ” مغرب-أنتلجونس”، فإن أكثر من 85 في المائة من المسافرين النيجيريين الذين تنقلهم الخطوط الملكية المغربية لا تكون وجهتهم النهائية المغرب، بل يستخدمون مطار الدار البيضاء كنقطة عبور نحو أوروبا وأمريكا الشمالية والشرق الأوسط ووجهات إفريقية أخرى.
بعبارة أخرى، لا تبيع “لارام” مجرد رحلة بين الدار البيضاء وأبوجا أو لاغوس، وإنما تعرض على زبنائها شبكة عالمية مترابطة.
في المقابل، ورغم الطموحات المعلنة لتحويل الجزائر إلى مركز قاري للنقل الجوي، فإن الخطوط الجوية الجزائرية لا تمتلك حالياً شبكة دولية مماثلة، ولا توفر العدد نفسه من الرحلات الرابطة أو الإمكانات التشغيلية التي تسمح لها بمنافسة حقيقية.
ويتجلى الفرق أيضاً على مستوى الأسطول.
فالخطوط الملكية المغربية تشغل بانتظام على الخطوط النيجيرية طائرات بوينغ 787 دريملاينر ذات البدن العريض، التي توفر عدداً كبيراً من المقاعد ومستوى عالياً من الراحة في الرحلات الطويلة.
أما الخطوط الجوية الجزائرية فلا تتوفر على القدرات نفسها في هذا الخط، سواء من حيث الطاقة الاستيعابية أو جودة الخدمة المقدمة للمسافرين.
وفي ظل هذه المعطيات، فإن الاعتقاد بأن أي تعليق محتمل لرحلات “لارام” سيصب تلقائياً في مصلحة الخطوط الجوية الجزائرية لا يعدو أن يكون شعاراً سياسياً أكثر منه تحليلاً اقتصادياً.
بل إن الخاسر الأول قد يكون نيجيريا نفسها.
فإذا اتُّخذ قرار من هذا النوع، فإن آلاف المسافرين النيجيريين سيفقدون منفذاً إلى واحدة من أكثر شبكات الربط الجوي كفاءة بين إفريقيا وبقية العالم. وسيتضرر رجال الأعمال والطلبة والشركات والعائلات الذين يعتمدون يومياً على مطار الدار البيضاء كمحطة عبور نحو وجهاتهم الدولية.
أما الخطوط الملكية المغربية، فستكون في وضع أكثر مرونة، إذ يمكنها، في ظل الطلب المتزايد على عدد من الخطوط الإفريقية والأوروبية والأمريكية، إعادة توجيه طائراتها بسرعة إلى وجهات أخرى تحتاج إلى مزيد من السعة.
وبالتالي، فإن الخسائر المحتملة التي قد تتكبدها الشركة المغربية ستكون محدودة مقارنة بالأضرار التي سيتعرض لها السوق النيجيري.
وتبقى، رغم ذلك، علامة استفهام تفرض نفسها.
فلماذا يخرج مسؤول إداري نيجيري لطرح اسم شركة أجنبية بعينها باعتبارها الحل البديل؟ مثل هذا الموقف غير مألوف في قطاع الطيران، ويثير بطبيعة الحال تساؤلات حول الجهات أو التأثيرات التي قد تكون حاضرة في خلفية هذا الملف.
لكن هناك حقيقة واحدة لا تقبل الجدل: “الحملات الإعلامية لا تغيّر أساطيل الطائرات، ولا ترفع عدد الرحلات، ولا تعيد رسم حصص السوق”.
وبين رحلة أسبوعية غير مباشرة تمر عبر دوالا، وإحدى وعشرين رحلة مباشرة تؤمنها الخطوط الملكية المغربية كل أسبوع، يبقى الحكم النهائي… للأرقام، لا للدعاية.
