اختارت الجزائر مرة أخرى سلاح القطيعة الدبلوماسية في مواجهة خلافاتها الخارجية. فقد أعلنت، الخميس، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، بعد سنوات من التوتر المتصاعد بين البلدين، بلغ ذروته مع اتهامات جزائرية لأبوظبي بالتدخل في الشؤون الداخلية للجزائر، فضلا عن خلافات مرتبطة بمواقف الإمارات في عدد من ملفات المنطقة.
وأعلنت وزارة الخارجية الجزائرية أن القرار جاء «بعد استنفاد جميع السبل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية»، موضحة أن السفير الإماراتي استُدعي إلى مقر الوزارة وأُبلغ رسميا بالقرار، مع منحه مهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد.
وتحدثت الخارجية الجزائرية عن «تصرفات استفزازية أو عدائية» صادرة عن الإمارات، مؤكدة أن الجزائر تحلت، بحسب روايتها، بضبط النفس وبـ«حس عال من المسؤولية»، قبل أن تصل إلى قرار القطيعة.
ولم يكن القرار مفاجئا تماما. فقد سبق للرئيس عبد المجيد تبون أن لوّح أكثر من مرة بإمكان قطع العلاقات مع أبوظبي، مستخدما في بعض تصريحاته تعبير «دويلة» عند حديثه عن الإمارات. وفي يوليوز الماضي، اتهم تبون أبوظبي بأن «أثرها سلبي جدا»، وقال إن الجزائر تملك «الأدلة» على ذلك، مطالبا الإماراتيين بالابتعاد عن بلاده.
لكن بعيدا عن تفاصيل الخلاف الجزائري الإماراتي، يطرح القرار سؤالا أوسع: لماذا تجد الجزائر نفسها، كلما وصلت علاقاتها مع دولة ما إلى نقطة حرجة، أقرب إلى خيار قطع العلاقات من البحث عن صيغة أخرى لإدارة الخلاف؟
فالتجربة الجزائرية مع إسبانيا تقدم مثالا لافتا. ففي يونيو 2022، علقت الجزائر معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون مع مدريد، في سياق خلاف حاد حول الموقف الإسباني من قضية الصحراء. وبعد أشهر طويلة من التوتر، عادت الاتصالات تدريجيا، لتكشف أن القطيعة الدبلوماسية أو تجميد العلاقات لا يلغي المصالح المتبادلة ولا يضع حدا للخلافات.
ومع فرنسا، الدولة التي ترتبط بالجزائر بأثقل وأعقد الملفات التاريخية والاقتصادية والبشرية، شهدت العلاقات بدورها أزمات متكررة، وصلت في بعض المراحل إلى استدعاء السفراء وتهديدات بالتصعيد، قبل أن تعود قنوات الاتصال إلى العمل. أما مالي، فقد تحولت العلاقة معها إلى مواجهة مفتوحة انتهت أيضا إلى القطيعة، في وقت كان يفترض فيه أن تكون الجزائر، بحكم الجغرافيا والتاريخ ودورها التقليدي في منطقة الساحل، أحد الأطراف الأكثر حرصا على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة.
هنا تكمن المفارقة: هل أصبحت القطيعة بالنسبة إلى الجزائر أداة دبلوماسية لإدارة الخلاف، أم بديلا عن الدبلوماسية نفسها؟
فالعلاقات بين الدول لا تقوم فقط على التوافق، بل أيضا على القدرة على إدارة الاختلاف. وقد تكون القطيعة أحيانا قرارا اضطراريا، لكنها تصبح أكثر إثارة للتساؤل عندما تتكرر مع دول متباينة في طبيعتها ومصالحها وموقعها الجغرافي، من إسبانيا وفرنسا إلى مالي والإمارات.
وفي حالة الإمارات، يبدو أن الجزائر اختارت إغلاق الباب بعدما قالت إن كل الوسائل الأخرى قد استُنفدت. غير أن السؤال الذي يبقى مطروحا هو: هل استُنفدت فعلا كل الوسائل، أم أن قطع العلاقات أصبح، ببساطة، الخيار الأسهل عندما تعجز السياسة عن احتواء الخلاف؟
