المغرب المسلم وإسبانيا المسيحية… لماذا تجاهل رئيس اتحاد علماء المسلمين مغربية سبتة؟

أثارت التدوينة التي نشرها رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، علي محيي الدين القره داغي، بشأن موجة الهجرة إلى مدينة سبتة المحتلة، موجة واسعة من الانتقادات في المغرب، ليس بسبب حديثه عن المهاجرين أو الأبعاد الإنسانية للأزمة، وإنما بسبب الطريقة التي قدّم بها سبتة باعتبارها “حدود أوروبا”، متجاهلًا حقيقة أنها مدينة مغربية خاضعة للاحتلال الإسباني، وأن وضعها القانوني والسيادي لا يزال محل خلاف تاريخي وسياسي.
إن أي شخصية تتولى رئاسة مؤسسة تحمل اسم “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” لا يُنتظر منها أن تتبنى توصيفًا ينسجم مع الرواية الرسمية للقوة القائمة بالاحتلال، بل يُفترض أن تتحرى الدقة التاريخية والإنصاف العلمي، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس السيادة والذاكرة الجماعية للأمة الإسلامية.
فسبتة ليست مجرد نقطة حدودية أوروبية كما تُصوَّر في الخطاب الأوروبي، وإنما مدينة مغربية احتلتها البرتغال سنة 1415، قبل أن تنتقل إلى التاج الإسباني بموجب معاهدة لشبونة سنة 1668، بينما احتلت مليلية سنة 1497 في سياق التوسع الإيبيري عقب سقوط غرناطة. وهذه الحقائق ليست تفاصيل تاريخية هامشية، بل هي أساس لفهم طبيعة النزاع القائم، ولا يجوز القفز عليها عند تناول القضية.
الأكثر إثارة للاستغراب أن التدوينة لم تكتف بتجاهل هذه الخلفية، بل انتقلت إلى طرح فرضيات سياسية تتحدث عن “أصابع صهيونية” وضغوط أمريكية تمارس “عبر المغرب” لإضعاف الحكومة الإسبانية، دون تقديم أي أدلة أو قرائن موثقة. ومثل هذا الطرح يطرح إشكالًا منهجيًا، لأن العالم أو المفكر مطالب بالتثبت قبل إطلاق الاستنتاجات، خصوصًا إذا كانت قد تُفهم على أنها تحميل لدولة مسلمة مسؤولية أو دور في مخططات دولية دون سند واضح.
من المبادئ الراسخة في التراث الإسلامي أن الأحكام تبنى على البَيِنات لا على الظنون، وأن العدالة تقتضي عدم توجيه الاتهامات بغير دليل. ولذلك فإن الاستناد إلى فرضيات غير موثقة في قضية بهذا الحجم لا يخدم النقاش الرصين، بل يفتح الباب أمام التأويلات ويضعف مصداقية الخطاب العلمي والدعوي.
كما أن توصيف سبتة بأنها “حدود أوروبا” ليس مجرد اختيار لغوي محايد، بل هو تعبير يحمل دلالة سياسية وقانونية. فاللغة في القضايا السيادية ليست بريئة، وكل توصيف يسهم في ترسيخ تصور معين لدى الرأي العام. وعندما يصدر هذا الوصف عن رئيس مؤسسة ذات مرجعية إسلامية، فإنه يكتسب وزنًا رمزيًا أكبر، وقد يُفهم على أنه إضفاء شرعية معنوية على الرواية الإسبانية أو الأوروبية، ولو لم يكن ذلك مقصودًا.
ولا يعني هذا النقد إنكار البعد الإنساني لأزمة الهجرة أو التقليل من خطورة ما يعانيه المهاجرون، فحماية الأرواح وصيانة الكرامة الإنسانية واجب أخلاقي وديني. غير أن الدفاع عن الإنسان لا يقتضي التخلي عن الحقيقة التاريخية أو تبني مصطلحات تتجاهل واقع الاحتلال والنزاع القائم.
إن المسؤولية الفكرية والعلمية تفرض على القيادات الدينية أن تكون أكثر دقة في تناول القضايا الحساسة، وأن توازن بين الاعتبارات الإنسانية والسياسية والتاريخية، بعيدًا عن التوصيفات الملتبسة أو الفرضيات غير المثبتة. فالعلماء ليسوا مجرد معلقين على الأحداث، بل هم أصحاب كلمة يُنتظر منها أن تكون مبنية على المعرفة والعدل، وأن تحافظ على الحقيقة التاريخية، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس حقوق الشعوب وسيادتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *