الجزائر تفتح باب التدخل العسكري في النيجر.. هل تتكرر التجربة الفرنسية؟

صادق البرلمان الجزائري بغرفتيه على إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى النيجر، في خطوة تعكس تحولا في المقاربة الجزائرية للأمن الإقليمي، وتثير تساؤلات بشأن مخاطر الانخراط العسكري خارج الحدود. وبينما تبرر الجزائر القرار بحماية منشآت الطاقة ومصالحها الاستراتيجية، تبرز التجربة الفرنسية في منطقة الساحل بوصفها مثالا على صعوبة تحويل الحضور العسكري إلى ضمانة دائمة للاستقرار.

من التحفظ إلى الحضور العسكري

جاءت المصادقة البرلمانية بعد تكثيف الاتصالات السياسية والعسكرية بين الجزائر ونيامي، في سياق تقارب أمني بين البلدين. ويستند القرار إلى الإطار الدستوري الذي أتاح، منذ تعديلات سنة 2020، إرسال وحدات من الجيش الجزائري إلى الخارج وفق شروط محددة.
وكان الرئيس عبد المجيد تبون قد أعلن استعداد بلاده لحماية النيجر، مشيرا إلى وجود اتفاقات في قطاعات النفط والتعدين، ومتهما أطرافا لم يسمها بمحاولة تقويض هذه المصالح.
ولا ينفصل القرار عن رهانات الجزائر الاقتصادية في منطقة الساحل، خصوصا أنشطة شركة «سوناطراك» في شمال النيجر، ومشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء، الذي يفترض أن ينقل الغاز النيجيري عبر النيجر إلى الجزائر، ومنها إلى الأسواق الخارجية.
لكن الانتقال من حماية المصالح الاقتصادية إلى نشر قوات عسكرية يفتح الباب أمام تحديات تتجاوز تأمين المنشآت. فالنيجر تواجه هجمات متواصلة من جماعات مسلحة، ما قد يجعل القوات الجزائرية عرضة للاستهداف، ويحول مواقع الطاقة التي تسعى إلى حمايتها إلى أهداف أكثر حساسية.
كما أن تحديد المهمة في البداية بحماية المنشآت لا يضمن بقاءها ضمن هذه الحدود؛ إذ قد يؤدي تعرض القوات لهجمات أو اتساع التهديدات إلى توسيع نطاق العمليات، بما يفرض على الجزائر التزامات أمنية يصعب التحكم في مداها.

التجربة الفرنسية.. دروس الانسحاب

تقدم التجربة الفرنسية في النيجر درسا مهما بشأن حدود التدخل العسكري. فقد نشرت باريس نحو 1500 جندي في البلاد للمساهمة في مكافحة الجماعات المتطرفة، بالتعاون مع السلطات النيجرية السابقة. لكن انقلاب يوليوز 2023، الذي أطاح الرئيس المنتخب محمد بازوم، غيّر طبيعة العلاقة بين البلدين.
ومع تصاعد التوتر، طالبت السلطات الجديدة برحيل القوات الفرنسية، قبل أن يغادر آخر الجنود الفرنسيين النيجر في دجنبر 2023. وهكذا انتهى وجود عسكري استمر سنوات، بعدما فقدت باريس الغطاء السياسي الذي كان يسمح باستمراره.
ولا يعني ذلك أن التجربة الجزائرية ستكرر بالضرورة المسار الفرنسي، لاختلاف السياقات وطبيعة المهمات. غير أن الدرس الأساسي واضح: لا يكفي الاتفاق مع سلطة قائمة لضمان استدامة الوجود العسكري، خصوصا عندما تتغير موازين الحكم أو تتصاعد المعارضة الشعبية للتدخل الخارجي.

حسابات إقليمية محفوفة بالمخاطر

تأتي الخطوة الجزائرية في منطقة تتداخل فيها التهديدات الأمنية مع التنافس الإقليمي والدولي. وقد يؤدي الانتشار العسكري إلى تعزيز حضور الجزائر في الساحل، لكنه قد يضعها أيضا أمام حساسيات سياسية وأمنية جديدة، سواء مع أطراف إقليمية منافسة أو داخل النيجر نفسها.
وتزداد المخاطر في ظل غياب تفاصيل معلنة بشأن حجم القوة المنتظر نشرها، ومدة المهمة، وقواعد اشتباكها. فحماية منشأة محددة لا تعني بالضرورة تأمين محيطها، ولا معالجة الأسباب التي تسمح للجماعات المسلحة بالتحرك عبر مساحات واسعة.
كما أن استقرار النيجر لا يتوقف على الدعم العسكري الخارجي وحده، بل يرتبط بقدرة الدولة على بسط سلطتها، وتعزيز مؤسساتها، وتطوير تعاون إقليمي يحظى بالقبول السياسي والشعبي.
في المحصلة، تمثل الخطوة الجزائرية انتقالا من التحفظ التقليدي على الانتشار العسكري الخارجي إلى الاستعداد لحماية المصالح الوطنية بالحضور الميداني. غير أن التحدي لا يكمن فقط في إرسال القوات، بل في تحديد حدود مهمتها وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
وتذكر التجربة الفرنسية بأن الدخول إلى منطقة الساحل قد يكون أسهل من ضمان البقاء فيها، وأن القوة العسكرية لا تستطيع وحدها صناعة الاستقرار. وبين حماية الاستثمارات وتجنب الاستنزاف، سيكون الاختبار الحقيقي للجزائر هو قدرتها على تأمين مصالحها من دون أن يتحول وجودها العسكري إلى عبء استراتيجي جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *