مثلث السلفادور.. صراع النفوذ بين الجزائر والنيجر ومعسكر حفتر

لا يمكن اختزال زيارة رئيس الوزراء النيجري علي محمد الأمين زين إلى بنغازي في إطار المجاملات الدبلوماسية، بالنظر إلى طبيعة الوفد المرافق له، الذي ضم رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة النيجرية الفريق مامان ساني كياو وعددا من كبار المسؤولين العسكريين. فهذا التمثيل الرفيع يمنح الزيارة أبعادا أمنية واضحة، ويضعها في سياق التنافس المتصاعد على مثلث السلفادور، حيث تلتقي الحدود الليبية والنيجرية والجزائرية، وتتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية.
واستقبل رئيس الحكومة الليبية المكلفة من مجلس النواب، أسامة حماد، المسؤول النيجري والوفد المرافق، بحضور عدد من أعضاء حكومته، كما التقى زين صدام حفتر، نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية. وأعلن الجانبان توقيع مذكرة تفاهم للتعاون الاستراتيجي، دون الكشف عن تفاصيل الترتيبات العسكرية والأمنية التي قد تتضمنها.
وتكتسب الزيارة أهميتها من توقيتها، إذ تأتي بعد توتر في قنوات التواصل بين نيامي وبنغازي، بسبب تعثر تفاهم سابق بشأن تبادل سجناء ليبيين ونيجريين. فقد كان معسكر خليفة حفتر يسعى إلى استعادة مسؤول استخباراتي ليبي يدعى رفيع بحر الدين، مقابل الإفراج عن محمود صالح، زعيم الجبهة الوطنية لتحرير النيجر، الذي كان محتجزا لدى قوات حفتر. لكن السلطات النيجرية نقلت المسؤول الليبي إلى حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، بدلا من تسليمه إلى بنغازي، في خطوة أظهرت تعدد قنوات التواصل التي تعتمدها نيامي مع الأطراف الليبية.
فقد سبق لرئيس الوزراء النيجري أن زار طرابلس في يونيو الماضي، حيث التقى رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، كما وقعت الحكومتان مذكرة تعاون عسكري في الشهر نفسه. ويعكس هذا المسار حرص النيجر على الاحتفاظ بعلاقات متوازنة مع طرفي الانقسام الليبي، خصوصا أن مصالحها الأمنية تتجاوز حدود التحالفات السياسية.
وتبرز أهمية بنغازي في هذه المعادلة من خلال موقعها ضمن التنافس على مثلث السلفادور، المنطقة الصحراوية الواقعة عند التقاء حدود ليبيا والنيجر والجزائر. فهي ليست مجرد مساحة جغرافية نائية، بل ممر استراتيجي لحركة الوقود والسلاح والمهاجرين وشبكات التهريب، فضلا عن كونها مجالا لنشاط جماعات مسلحة عابرة للحدود. ولذلك، فإن السيطرة على طرق العبور ومراقبة التحركات العسكرية فيها تمنح الأطراف المتنافسة أوراق نفوذ تتجاوز المنطقة نفسها.
وكان تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن ليبيا قد أشار إلى تعزيز قوات حفتر انتشارها في الجنوب الغربي، وإلى مساهمة علاقات صدام حفتر مع السلطات في نيامي في إعادة تنظيم العمليات العسكرية بمنطقة مثلث السلفادور. كما وثق التقرير تحركات مرتبطة بمراقبة طرق العبور والحد من نشاط جماعات مسلحة معارضة للسلطات النيجرية، ما يبرز الترابط بين الحسابات الأمنية الليبية والنيجرية.
لكن المعادلة لم تعد ثنائية بين بنغازي ونيامي، بعدما دخلت الجزائر على الخط. فقد صادق البرلمان الجزائري، في أكتوبر الماضي، على طلب الرئيس عبد المجيد تبون إرسال وحدات من الجيش إلى النيجر، في أول خطوة من نوعها منذ سنة 1973. وتستهدف هذه الخطوة، وفق التصريحات الجزائرية، حماية المصالح الاقتصادية والأمنية، وسط تقارير عن احتمال انتشار قوات جزائرية في قاعدة ماداما شمال النيجر، بالقرب من الحدود الليبية.
ويضيف هذا التطور عاملا جديدا إلى حسابات معسكر حفتر، الذي يعتبر الجنوب الليبي مجالا حيويا لترسيخ نفوذه وتأمين خطوط الإمداد والاتصال مع دول الساحل. فوجود عسكري جزائري قريب من الحدود الليبية قد يغير موازين الحضور في المنطقة، خصوصا مع اختلاف المقاربات بشأن الجماعات المسلحة وحركة القوات عبر الحدود.
وفي المقابل، تسعى حكومة طرابلس إلى توسيع حضورها في الجنوب، مستفيدة من علاقاتها مع نيامي وبعض القوى المحلية في فزان. وتحدثت تقارير عن اتصالات مع مجموعات مسلحة في المنطقة، وعن احتمالات توظيف التعاون مع النيجر في ترتيبات للدعم العسكري، لكن هذه المعطيات لم تتحول إلى اتفاق معلن.
ضمن هذه الخلفية، تبدو زيارة زين إلى بنغازي محاولة لإعادة تثبيت قنوات التواصل مع معسكر حفتر، وتأكيد استمرار التنسيق في الملفات الحدودية والأمنية، بعد التوتر الذي خلفه ملف السجناء وتوسع العلاقات النيجرية مع طرابلس. غير أن حضور كبار القادة العسكريين وتوقيع مذكرة التعاون لا يعنيان بالضرورة عودة النيجر إلى تحالف حصري مع حفتر.
فنيامي تسعى، على ما يبدو، إلى تأمين حدودها ومصالحها الصحراوية، مع الحفاظ على هامش للمناورة بين الأطراف الليبية والجزائر. وفي المقابل، تحاول بنغازي حماية نفوذها في الجنوب، بينما تعمل الجزائر على تعزيز حضورها الأمني والاقتصادي في منطقة الساحل.
وهكذا، يتحول مثلث السلفادور إلى أكثر من مجرد معبر صحراوي أو نقطة حدودية نائية؛ إنه فضاء تتقاطع فيه رهانات السيطرة العسكرية والمصالح الاقتصادية وشبكات النفوذ الإقليمي، في معادلة لم تعد تقتصر على ليبيا والنيجر، بل تمتد إلى الجزائر وبقية القوى الفاعلة في منطقة الساحل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *