مراسلون بلا حدود.. حين تتحول التوصيات إلى وصاية على الحكومات المنتخبة

لم تكد البرلمان تمر عشرة أيام، حتى وجدت حكومة فاطمة الزهراء المنصوري نفسها أمام ثماني توصيات من منظمة “مراسلون بلا حدود”. وخلف الخطاب المألوف حول الدفاع عن حرية الصحافة، تبرز نزعة أكثر إثارة للقلق، تتمثل في منظمات غير منتخبة تنصّب نفسها صاحبة الحق في تحديد الأولويات السياسية للدول ذات السيادة، وتوزيع وصفاتها على حكومات أفرزتها صناديق الاقتراع.
لم تحتج منظمة “مراسلون بلا حدود” سوى عشرة أيام لتذكير الحكومة المغربية بما ينبغي عليها القيام به. فبعد نيل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري ثقة النواب في 22 أكتوبر 2026، وجهت المنظمة، التي يوجد مقرها في باريس، سلسلة من ثماني توصيات إلى السلطة التنفيذية، اعتبرتها بمثابة خارطة طريق في مجال حرية الصحافة.
وتكشف هذه الخطوة عن تصور خاص، إلى حد بعيد، للعلاقة بين المجتمع المدني الدولي والمؤسسات الديمقراطية. فمنظمة غير حكومية خاصة، يقودها مسؤولون لم يستمدوا تفويضهم من أي ناخب مغربي، ترى أن من حقها إخضاع حكومة ذات سيادة لدفتر تحملاتها الخاص. وكأن شرعية حكومة حازت ثقة ممثلي الشعب تحتاج إلى استكمال، بل وربما تصحيح، من جانب مجموعة من التقنيين والخبراء الذين يديرون مكاتبهم في باريس.

من المراقبة إلى الإملاء

لا تكمن المشكلة، بطبيعة الحال، في اهتمام منظمة دولية بوضع الصحافة في المغرب، فهذا حق مشروع لها. وإنما تكمن في طبيعة الموقف الذي تتخذه، وفي الخلط المتعمد بين الحق في الانتقاد والادعاء بامتلاك سلطة الحكم.
وتكشف المفردات التي تستخدمها “مراسلون بلا حدود” عن هذا التوجه بوضوح؛ من قبيل “وضع حد”، و”إلغاء”، و”التشريع”، و”ضمان”. فالمنظمة تطالب، على الخصوص، بإعادة صياغة القانون الجنائي، ومراجعة المادة 71 من قانون الصحافة، وإصلاح تركيبة المجلس الوطني للصحافة، وتعديل قواعد توزيع الدعم العمومي.
بمعنى آخر، لم تعد المنظمة تكتفي برصد الاختلالات أو لفت انتباه الرأي العام إليها، بل باتت تسعى إلى التدخل المباشر في تحديد الأجندة التشريعية والمؤسساتية والسياسية للمملكة. وهو ادعاء يطرح سؤالا أساسيا: منذ متى أصبحت منظمة غير منتخبة تملك أي سلطة تخول لها إملاء أولوياتها على حكومة نالت شرعيتها من صناديق الاقتراع؟
وخلف التوصيات التي يجري تغليفها بعناية بلغة الحقوق والحريات، تلوح ملامح شكل من أشكال الوصاية الأخلاقية، التي يبدو أن بعض المنظمات غير الحكومية الدولية تعتبرها أمرا طبيعيا. فشرعيتها، وفق هذا المنطق، تتجاوز شرعية المؤسسات الوطنية، وخبرتها تقوم مقام التفويض الشعبي، وتصنيفاتها السنوية تتحول إلى أدوات للضغط على الحكومات.

الحق في الانتقاد لا يمنح سلطة الحكم

تستند “مراسلون بلا حدود” خصوصا إلى تصنيفها العالمي لحرية الصحافة، الذي وضع المغرب في المرتبة 105 من أصل 180 دولة سنة 2026. غير أن تصنيفا يستند إلى منهجية خاصة بمنظمة غير حكومية لا يشكل حكما قضائيا، ولا تفويضا تشريعيا، ولا يمنح صاحبه سلطة إصدار القرارات الملزمة.
كما تصف المنظمة بعض الإجراءات القضائية بأنها “تعسفية” أو “تكميمية”، في الوقت الذي ما تزال فيه ملفات معروضة على أنظار الجهات القضائية المختصة. وهذا الأسلوب في استباق الأحكام بشأن قضايا لا تزال رهن المساطر القضائية يطرح إشكالا آخر: بأي سلطة تحل منظمة خاصة نفسها، في النقاش العام، محل المؤسسات القضائية في تقدير الملفات المعروضة عليها؟
وليست هذه المرة الأولى التي تدخل فيها الرباط في خلاف مع “مراسلون بلا حدود”. ففي سنة 2013، سبق للحكومة أن شككت في دقة تحليلات المنظمة وجديتها، معتبرة، على الخصوص، أن تقريرها استند بدرجة كبيرة إلى قضية علي أنوزلا. وفي وقت أقرب، انتقد الناطق الرسمي السابق باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، بدوره توجهات المنظمة وطريقة قراءتها لواقع الإعلام المغربي.
ويكشف تكرار هذا الجدل أن الخلاف لم يعد مقتصرا على كيفية التعاطي مع الصحافة، بل امتد ليشمل مسألة شرعية الجهات التي تنصّب نفسها مرجعا لتحديد المعايير والقواعد المنظمة لهذا المجال.

السيادة ليست بندا اختياريا

ثمة فرق جوهري بين الرقابة الدولية التي تقبل الدول الخضوع لها، والتوصيات الأحادية الصادرة عن منظمات خاصة. فالمغرب يشارك في آلية الاستعراض الدوري الشامل التابعة للأمم المتحدة، وهي آلية مؤسساتية تتولى من خلالها الدول تقييم أوضاع حقوق الإنسان لدى نظيراتها. وفي سنة 2017، قبلت المملكة 191 توصية، وتحفظت على تسع توصيات أخرى، معتبرة أن بعضها لا يدخل ضمن اختصاصات مجلس حقوق الإنسان.
وتستند هذه العملية إلى إطار متعدد الأطراف ومعترف به، انخرطت فيه الدول بإرادتها. لكنها لا تمنح كل منظمة غير حكومية، بأي حال من الأحوال، سلطة تحويل توصياتها الخاصة إلى التزامات سياسية مفروضة.
وينبغي التذكير بهذه الحقيقة بوضوح: حرية التعبير لا تمنح حق إصدار الأوامر. فمن حق أي منظمة غير حكومية أن تحقق، وتندد، وتنتقد، وتنشر التقارير، وتوجه الملاحظات إلى السلطات العمومية. بل يمكنها أن تكون حادة ومزعجة ومخالفة للسائد سياسيا. وهذا تحديدا هو الدور الذي ينبغي للمجتمع الديمقراطي أن يتيح لها ممارسته.
لكن ثمة مسافة واضحة بين ممارسة حق التنبيه والمراقبة، والتصرف باعتبار المنظمة سلطة وصاية. فالحكومة تحاسب أمام المواطنين والبرلمان والمؤسسات الدستورية، وليس مطلوبا منها تلقي التعليمات من منظمة خاصة، مهما بلغت مكانتها أو شهرتها، أو إخضاع برنامجها السياسي لموافقة التقنيين والخبراء الدوليين.
وبذلك، فإن الإشكال الذي تطرحه خطوة “مراسلون بلا حدود” يتجاوز الحالة المغربية بكثير، ليشمل نزعة لدى بعض المنظمات غير الحكومية إلى الخلط بين النفوذ والشرعية، والخبرة والسيادة، والتوصية والإملاء. فهذه المنظمات، عندما تسعى إلى الحلول محل المؤسسات التي تدعي مراقبتها، تخاطر بتحويل الدفاع عن الحريات إلى ممارسة للسلطة من دون أي تفويض.
فالديمقراطية ليست حكومة تخضع باستمرار لتوصيات منظمات غير منتخبة، والسيادة الوطنية لا يمكن وضعها جانبا كلما قررت منظمة غير حكومية مقرها باريس إصدار خارطة طريق خاصة بها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *