يبدو أن بعض المسؤولين في الجزائر، بمن فيهم الرئيس عبد العزيز تبون ومن يدور في فلكهم من سياسيين وصحافيين، قرروا إعادة كتابة الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد في درس واحد مبسط: كلما كانت مساحة الدولة أصغر، كانت أقل شأنا. أما الدول الواسعة، فهي – حسب هذا المنطق – مرشحة تلقائيا لدخول نادي العظماء.
يا له من اكتشاف كان يجب أن يُدرّس في الجامعات!
فحين يراد الانتقاص من الإمارات العربية المتحدة، تُستخرج آلة القياس، ويقال إنها “دويلة”، وكأنها تهمة تستوجب الاعتذار. والحال أن مساحة الإمارات تبلغ نحو 83 ألفا و600 كيلومتر مربع.
لكن المسرحية لا تكتمل إلا في الفصل الثاني.
في اليوم الموالي، أو ربما في اليوم نفسه، تنهال عبارات المودة تجاه قطر، الشقيقة والحليفة والصديقة… دون أن ينتبه أحد إلى أن مساحة قطر لا تتجاوز 11 ألفا و521 كيلومترا مربعا، أي أقل من مساحة الإمارات بأكثر من سبع مرات.
وهنا يطرح السؤال نفسه: إذا كان صغر المساحة مدعاة للاستخفاف، فهل تشمل القاعدة الجميع أم أنها تعمل بنظام “حسب الطلب”؟
الظاهر أن جهاز قياس الكيلومترات المربعة يعمل بـ”التيلوكومند”؛ يشتغل عندما يتعلق الأمر بخصم، ويتوقف فجأة عندما يكون الحديث عن حليف.
ولو سلمنا بهذا المنطق العجيب، لكان من الواجب إعادة كتابة كتب التاريخ. عندها لن يعود الحديث عن التقدم العلمي أو الاقتصادي أو الدبلوماسي، بل عن عدد الكيلومترات التي تحتلها الدولة على الخريطة.
ولكانت روسيا، بحكم مساحتها الهائلة، النموذج الذي لا يضاهى في كل شيء، بينما تصبح سويسرا، ذات الأربعين ألف كيلومتر مربع فقط، مجرد قرية جبلية لا تستحق الذكر، رغم أنها من أكثر دول العالم استقرارا وثراء وابتكارا.
ولكانت سنغافورة، التي يمكن أن تختفي تحت ظفر على الخريطة، مجرد جزيرة هامشية، لا مركزا ماليا عالميا ينافس أكبر الاقتصادات.
بل إن الفاتيكان، أصغر دولة في العالم، كان ينبغي – وفق هذا المنطق – ألا يسمع بها أحد، بينما يتابع العالم كله ما يصدر عنها.
العجيب أن التاريخ نفسه مليء بإمبراطوريات مترامية الأطراف اختفت، ودول صغيرة المساحة صنعت نفوذا تجاوز حدودها بسنوات ضوئية. فالنفوذ لا يُقاس بالشريط المتري، بل بقدرة الدولة على إنتاج الثروة والمعرفة، وبجاذبية اقتصادها، واحترام مؤسساتها، وتأثير دبلوماسيتها.
أما تحويل الخريطة إلى مسابقة في المساحات، فهو يشبه الاعتقاد بأن صاحب أكبر منزل هو بالضرورة أكثر سكان الحي ذكاء.
المشكلة ليست في صغر الإمارات ولا في صغر قطر، فذلك مجرد وصف جغرافي. المشكلة في تحويل الجغرافيا إلى شتيمة عندما يتعلق الأمر ببلد، ثم إلى تفصيل غير ذي أهمية عندما يتعلق الأمر ببلد آخر.
وفي النهاية، يبدو أن بعض الخطابات السياسية لا تحتاج إلى من يرد عليها؛ فهي تتكفل بإحراج نفسها بنفسها. يكفي فقط أن تضع خريطتين متجاورتين، ثم تراقب كيف يقع المنطق في الفخ الذي نصبه لنفسه.
