الأطلسي مسرحاً للأضواء والليزر.. كيف حول الأمن الوطني احتفاله السبعيني إلى عرض عالمي؟

لم تقتصر احتفالات الرباط، يوم 17 ماي الماضي، على تخليد الذكرى السبعين لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني، بل تحولت العاصمة المغربية إلى مسرح لعرض تكنولوجي وسينوغرافي غير مسبوق في تاريخ التظاهرات الرسمية بالمملكة.
فعلى ضفاف المحيط الأطلسي، وفي فضاء شاسع يعادل مساحة ملعبين لكرة القدم تقريباً، خرج العرض التقليدي لقوات الأمن من إطاره البروتوكولي ليتحول إلى فرجة بصرية غامرة مزجت بين الأضواء والليزر والنوافير المائية والمؤثرات البصرية المبهرة.
وقد أوكلت مهمة تصميم هذا العرض إلى شركة Concept K المتخصصة عالمياً في هندسة الإضاءة، والتي وقعت واحدا من أضخم الإنتاجات المنجزة على الإطلاق في إطار احتفال رسمي بالمغرب.
ويقف وراء هذا الإنجاز فريديريك “ألدو” فايار، مؤسس الشركة، بمساعدة المدير الفني ستيفان تيودات من شركة “إس سي برودكشن”. وتمثلت مهمتهما في تحويل مراسم بروتوكولية إلى عرض متكامل يبرز مختلف وحدات المديرية العامة للأمن الوطني، مع الاستجابة في الوقت نفسه لمتطلبات البث التلفزيوني واستقبال آلاف الضيوف.
وكان التحدي يتمثل في إضاءة مئات عناصر الشرطة، وآليات التدخل، والوحدات الراكبة، وفرق الكلاب المدربة، إضافة إلى تشكيلات أمنية واسعة انتشرت على مساحة كبيرة، مع ضمان جودة تصوير عالية أمام عدسات القنوات التلفزيونية.
ولمواجهة هذا التحدي، جندت “كونسبت كي” ترسانة تقنية متطورة وفرتها شركتا “إيلايشن” و”نوفيلتي/دوشو غروب”، شملت 155 جهاز إضاءة من طراز “بروتيوس ماكسيموس”، و78 من طراز “بروتيوس هايبريد”، إضافة إلى 160 وحدة “سول 1 بلايندر”، وهو تجهيز نادراً ما يُستخدم في تظاهرة مؤسساتية من هذا الحجم.
غير أن ما أثار الإعجاب لم يكن حجم المعدات فقط، بل أيضاً درجة التعقيد والإبداع في توظيفها. فقد اعتمدت السينوغرافيا على مختلف مرافق الموقع باعتبارها عناصر داخل سرد بصري موحد، حيث اندمجت الأبراج والمنصة الرئيسية والفضاءات البروتوكولية وممرات الاستعراض في مشهد متكامل تفاعلت فيه الإضاءة والفيديو والمؤثرات الخاصة مع تحركات مختلف الوحدات الأمنية.
وزادت طبيعة الموقع من صعوبة المهمة، إذ أقيم العرض بمحاذاة البحر في ظروف مناخية قاسية تتسم بالرطوبة والغبار والرياح الأطلسية، ما فرض الاعتماد على معدات مصممة خصيصاً للعمل في البيئات الخارجية الصعبة.
وأدى جهاز “بروتيوس ماكسيموس” دوراً محورياً بفضل قدرته على إسقاط حزم ضوئية قوية لمسافات بعيدة بدقة عالية، فيما أتاح “بروتيوس هايبريد” تنويع المؤثرات الضوئية والإسقاطات البصرية التي منحت العرض ديناميكية استثنائية.
أما وحدات “سول 1 بلايندر” البالغ عددها 160، فقد استُخدمت لصناعة إيقاعات ضوئية ومؤثرات لونية وخلفيات بصرية مبهرة، ما حول كل محطة من محطات الاستعراض إلى لوحة فنية مستقلة.
وأكد هذا الحدث التطور اللافت الذي تشهده صناعة التظاهرات الكبرى في المغرب، والتي باتت قادرة على مجاراة أرقى المعايير الدولية. كما عكس توجهاً متزايداً لدى السلطات المغربية نحو توظيف الاحتفالات الرسمية كأدوات للتواصل المؤسساتي تجمع بين الرمزية والقوة التقنية والجاذبية الجماهيرية.
ومن خلال الاحتفاء بالذكرى السبعين للمديرية العامة للأمن الوطني، لم تكتف الرباط بتكريم أجهزتها الأمنية، بل قدمت أيضاً دليلاً جديداً على قدرة المملكة على تنظيم أحداث رفيعة المستوى تتقاطع فيها التكنولوجيا والسينوغرافيا والتواصل الاستراتيجي لصناعة صورة دولة حديثة وطموحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *